هالة.. من علم النفس إلى كماليات السيارات

 

لم تكن تعلم هالة جرابعة أنها ستطلق مشروعاً مفاجئاً وغريباً، ليكون بداية صفحة جديدة في مجتمع يضع النقاط أمام الفتاة دائماً، وقبل ثمانية أعوام تخرجت من جامعة بيرزيت بشهادة علم النفس وراحت تسعى للحصول على وظيفة بشهادتها، وعملت لمدة خمس سنوات في مؤسسة شارك، ولكن لم يكن الأمر مستداماً أو حامياً من عالم البطالة، وتحولت إلى سيدة أعمال صغيرة وصاحبة متجر لكماليات السيارات في قطاع معروف أن المهيمن عليه هو عالم الرجال.

تخلت عن راتب بداية الشهر الذي تنتظره بتعاسة كغيرها من العاملين، لتعيد الروح لحياتها وتشعل شغفها بعالم السيارات، ورغبتها في التحرر من قيود الوقت والمكان الذي فرضه روتين الحياة العملي المكتبي. 

وكانت جرابعة حققت هدفها في تملك سيارتها الخاصة، اذ باشرت في تعلم قيادة السيارة عام 2010، وكان افتقادها للمسة نسائية في سيارتها دفعها للتفكير مراراً في افتقار عالم السيارات والمكانيكا للعنصر النسائي. ومن مقتنيات بيتها، والأدوات الكمالية البسيطة بدأت بصورة بدائية جدا بتشكيل وصناعة بعض الكماليات لسيارتها الخاصة. 

خرجت ذات يوم من البيت باحثة عن "كراج للسيارات" لم تكن حينها مدركة لصعوبة تواجد فتاة في مكان جعلوه بشكل ما خاص بالذكور من هنا بدأت تتبلور الصورة في عقلها وبدأت الحكاية تسرد نفسها في الواقع المعاش. 

لماذا لا يوجد مكان خاص بالفتيات في هذا المجال؟ لماذا لا تتقن الفتاة فنيات التعامل في هذه الاماكن؟ لماذا لا تأخذ حرية التصرف والقدرة على الادارة في مثل هذه المجالات التي جعلت الثقافة الذكورية المجتمعية منها حكرا على الجنس الاخر. 

قررت هالة (30 عامًا) ان تبدأ مشوارا جديدا، ولاقت من عائلتها الدعم والمساندة، فهم من علموها ان التميز هو الأساس في كل ما نريد بغض النظر الى اي عالم يأخذنا.

"علمتني كل ما احتاج في هذا العمل، لم تترك صغيرة ولا كبيرة الا وساعدتني في انجازه، اورثتني شغفها في حب عالم السيارات"، هكذا تقول هالة عن اختها الكبرى هيلين الداعم الاساسي في الاستمرار في بناء كيانها الخاص في هذا المجال، حتى اصبحت ترسم افكارها والوانها الخاصة بها من الف السيارة حتى يائها. 

وفي بداية المشروع تقبل من حولها الفكرة، وصار اصدقاؤها الذين كانوا جزءا داعما في إصرارها على خوض هذه التجربة والاصرار عليها والتمسك بنجاحها، فهنا كانت المغامرة في خوض التجربة الاولى في حياتها بالرغم من الكثير من التجارب التي خاضتها طوال أعوام عمرها الثلاثين.

راقبت هالة الكثير من الذين يعملون في مجال تركيب قطع كماليات السيارات على مدار أيام وأسابيع، حتى استطاعت أن تكون جزءاً لا يتجزأ من هذه العملية التي ربما استطاعت أن تدرك أنها سهلة في نهاية المطاف. 

"هل انتِ من ستقوم بالعمل؟" سؤال رافقها لفترة زمنية طويلة، مع بداية تعجب واستغراب الأفراد من عملها كونها فتاة، ولكن غرابة النظرات لم تمنعها من الاستمرار في بناء عالمها الخاص الذي تجد فيه الاستقرار. واستمرت كذلك لسنوات حتى أصبحت مثالا يقتدى به في تمرد الفتاة على ثقافة المألوف والسائد، التي فرضت تمييزا سلبيا عليها، تمكنت من ترسيخ ادوار نسائية في مجتمعنا يهابها الأفراد. 

عالم من الألوان والرسومات خلق لها كيانا استثماريا جاذبا ليس للفتيات فقط بل أصبح يرتاد المحل الشباب ايضا. تعلقها بعلمها جعلها تسخر كل ما لديها لتطويره والارتقاء به، تطريزة فلسطينية باللون الخمري اصبحت جزءا من ابداعها في تكوين كماليات سيارات من النوع الجديد النادر.

"انتِ حرةٌ بأفكارك التي تتمرد على كل كلمة وكل ثقافة فرضها المجتمع والتي تقيد حريتك" اذا لم تكوني الداعم الاساسي لذاتك، فلا تنتظري من الاخرين الوقوف الى جانبك ولن تسمعي تصفيقاً حارّاً من المتفرجين الذين يتمنى بعضهم سقوطكِ"، هكذا ختمت هالة حديثها لـ "الحال" بهذه التوصية لكل الفتيات اللواتي يعانين من البطالة والتمييز في الوظائف.

 

  • طالب في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018