كُشكُش.. عازف اليرغول الأصيل

 

"ليش سموني كشكش، لأني أنا وأقاربي يعني كنا نضحك مع بعض وكانوا يلقبونني بالعازف الأسمراني أو الأسمر الضاحك، وبعد هيك صار الكل يناديني كشكش، ليش والله ما بروح أعزف"، هكذا يقدم إبراهيم الحاج يوسف (47 عاماً)، من سكان قرية قبيا غرب رام الله وهو من قلة قليلة في هذا الزمان تعزف على آلة اليرغول والمجوز.

يقول كشكش انه تعلم العزف من اخيه مصطفى المتوفى، الذي كان يعاني من قصر القامة وعدم القدرة على المشي بشكل جيد، وكان مصطفى تعلم العزف أثناء رعيه الغنم، بداية على الشبابة وحده عن طريق سماعه العزف على الراديو وتدرب بنفسه على تقليد العزف ثم أصبح يعزف في الأعراس والحفلات. في إحدى الحفلات تلاقى مصطفى مع عازف لليرغول من شمال الضفة الذي بدوره أهداه "مجوز ويرغول"، وبدأ يحاول العزف على المجوز إلى أن نجح، ثم انهالت عليه طلبات المغنين الشعبيين والحداية للعزف معهم في الاعراس، ثم احترف العزف على اليرغول الذي تختلف نغماته عن المجوز والشبابة.

بدأ كشكش التعلم من أخيه مصطفى عندما كان يرعى الغنم معه، الذي أصر عليه على تعلم العزف: "بدأت بتعلم العزف على الشبابة، وكان هذا صعباً في البداية ولكني واصلت المحاولات وبقيت أفشل فأخبر شقيقي مصطفى: "يا زلمة صعب.. صعب علي أتعلم"، وبقي كشكش على هذه الحال عامين يحاول العزف على المجوز واليرغول دون فائدة، إلى أن تمكن كشكش من العزف على المجوز واليرغول، وبعد كل هذه المحاولات الفاشلة، احترف العزف التراثي على المجوز واليرغول بمساعدة اخيه مصطفى.

وفي ظل شجرة الزيتون على ظهر الجبل والاغنام ترعى، أمسك كشكش اليرغول بأصابعه الغليظة الممزوجة بتشققات من هنا وهناك، ربما من عمله في البناء، وبضحكة واسعة جعلته يتراجع الى الخلف قليلاً، نظر بعينيه اللتين تحيط بهما هالات سوداء كالليل إلى اليرغول ووضع مقدمة اليرغول التي تدخل قرابة 8 سم داخل فمه، وبدأ بالنفخ داخلها وبتقليب أصابعه على فتحاته الدائرية لتخرج أنغام من عبق التراث والتاريخ الفلسطيني الممزوجة بدبكة ورقصة من أيام الأجداد، جعلتنا نرقص من الداخل ونتخيل أنفسنا في عرس تراثي وصف دبكة من أعراس الزمن القديم. 

والمجوز واليرغول آلات موسيقية من أدوات النفخ الهوائية يصنعها كشكش بنفسه من القصب الجاف الذي يجلب من وادي البيذان ويتم قصه حسب قياسات معينة توضع قصبتان بجانب بعضهما وتلصق بشمع العسل الذي يجمع من خلايا النحل في البراري ويتم صهره بين القصبتين ويتم جلب النايات أو الماشاكات المصنوعة من قطعتين صغيرتين من القصب الرفيع مربوطتين بخيط، وتوضع داخل القصبة الكبيرة ويضخ من خلالها الهواء الى القصبة الكبيرة، وتكونان في مقدمة المجوز واليرغول، وهي المسؤولة عن مستويات وتغير صوت الآلة وكل قصبة فيها 6 فتحات دائرية تقابلها 6 اخرى في القصبة الثانية، مهمتها تغيير اللحن والنغمة عن طريق تقليب الأصابع عليها.

واليرغول يختلف عن آلة المجوز بوجود ست فتحات فقط في ماسورة القصب القصيرة "البدالة" بجانبها ماسورة أطول وأوسع دون فتحات تسمى "الدواية" التي تخرج الصوت والنغمات.

وبعد نصف ساعة من العزف المتواصل دون تعب، أخرج كشكش الآلة ببطء من فمه وأخذ نفساً صغيراً ورشف من كوب الشاي ليهدئ قليلاً، وبدأ يستذكر ويحكي لنا ويقارن بين أعراس اليوم وأعراس الزمن الجميل، وقال: "حين تخرج الزفة من بيت العريس الى الدوار في منتصف القرية ويصطف الرجال ومن خلفهم النساء وحدهن، ويبدأ الغناء والدبكة والعريس على الخيل والعزف على اليرغول والطبلة، حيث إنه لم تكن هناك مكبرات الصوت مثل اليوم، وكان جو العرس أجمل قديماً".

ويقول كشكش إن هناك اقبالاً كبيراً من الناس على سماع اليرغول في اعراسهم خاصة في الصيف، فهو يعزف في الكثير من حفلات في القرى والمدن الفلسطينية خاصة في مدينة رام الله بسبب صوت اليرغول الذي يتناسب مع الدبكات والسحجة، وبسبب حب كبار السن لهذه الالة الموسيقية، لانها قديمة وتراثية من زمن الأجداد، إلا أنه في الشتاء يعمل في البناء ورعي الاغنام ويتمنى لو أن العزف مهنته الأساسية لكن ظروف الحياة ومتطلباتها خانت أمنيته.

والعازف كشكش واحد من قليلين ممن يعزفون حاليا في فلسطين على اليرغول والمجوز، ويعتبر العازف الوحيد في مدينة رام الله بعد ما توفي أخوه مصطفى، ويتواجد بعض عازفي اليرغول في شمال الضفة خاصة في مدينتي جنين ونابلس، ويقول كشكش انه من الوحيدين الذين يصنعون اليرغول والمجوز بشكل يدوي وأن أغلبية آلات اليوم تأتي جاهزة. 

وببطء في الكلام، وإصرار على ذكر الايام الغابرة، وبجلسته المتواضعة، وبضحكته التي تظهر وتختفي، وتأففه عن حديث حياة اليوم وتكاليفها الكثيرة قال إن عزف اليرغول سيبقى ولن يختفي مع الأيام وأنه سيحرص على تعليمها الى اولاده رغم اعتقاد اولاده بصعوبة العزف عليها. "انا تعلمتها والاجيال الجاية راح تتعلمها وراح تبقى ان شاء الله الى ولد الولد، لان اليرغول والمجوز تراث واصالة جدودنا وما راح نتخلى عنها او ننساها"، قال العازف كشكش بثقة.

 

  • طالب في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018