صحافة إسرائيل بين المهنية.. والانحياز

 

المنافسة على تحقيق أعلى نسبة مشاهدة للأخبار بين قنوات التلفزة في إسرائيل كبيرة. والساعة الثامنة مساءً هي ساعة الذروة. أحياناً، أدهش كثيراً من تقارب نوعية الأخبار والتقارير التي تبث وتسلسلها في نشرات الأخبار، حتى أن القنوات تخرج لبث الدعايات التجارية في آن واحد، وكأن محرر هذه النشرات واحد!

وسائل الإعلام في إسرائيل كثيرة ومتنوعة؛ قسم منها يتبع للدولة، والأغلب تعود ملكيته لرجال أعمال معروفين. صحيفة هآرتس، ذات التوجه اليساري، تعود لعائلة شوكين. وشلدون اديلسون يوزع صحيفة "يسرائيل هيوم" التي تدعم اليمين وبنيامين نتنياهو بالمجان.

والتساؤل المطروح الآن: هل الثورة التي حصلت في السنوات الأخيرة في عالم وسائل الإعلام الإسرائيلية وازديادها بشكل كبير، جعلها مستقلة أكثر فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني؟!

ارتبط اسم قسم من رجال الأعمال مالكي وسائل الإعلام بقضايا فساد يتم التحقيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو فيها، حيث إن محاولات عالم المال والأعمال السيطرة على عالم السياسة بما يخدم مصالحه، لا يتوقف في إسرائيل. قسم كبير من هذه القضايا تم فضحه من قبل الصحافة، وتحديداً من بعض القنوات التلفزيونية التي يمتلكها أشخاص اتهموا بتلقي الرشاوى من نتنياهو، فعلى سبيل المثال، اتهم نتنياهو بتقديم التسهيلات لرجل الأعمال اوليفتش لتسهيل صفقات في شركة بيزك التي يملكها، وهو يملك أيضاً موقع "والا" الإخباري، وذلك عند عمل نتنياهو كوزير للاتصالات، في المقابل، وحسب الادعاءات والتهم الموجهة لنتنياهو، فقد تلقى "دعماً إعلاميّاً إيجابيّاً" له ولزوجته من هذا الموقع.

مهنية وسائل الإعلام ووظيفتها ككلب حراسة للديمقراطية في إسرائيل تثبت نجاعتها. لقد نجحت وسائل الإعلام في إدخال كبار رجال الدولة إلى السجن بعد فضح مخالفات جنائية ضدهم. ومراقبة وسائل الإعلام صوبت عمل مؤسسات عديدة وحسنت من مستوى خدمتها للجمهور. ولا شك في أن قوانين مثل قانون حرية الحصول على المعلومات وقانون سلطة البث، وتقبل المنظومة لمفهوم حرية الصحافة، ساهمت في نجاح الصحفيين في أداء مهامهم، حتى أصبح الإسرائيلي يثق بصحافته ويعمل على تمرير الكثير من القصص والقضايا التي يعتقد أن الحل لمحاربتها يكمن في نشرها في الصحافة. 

من جهة أخرى، فالصحافة في إسرائيل ليس فقط لا تنقل الهم اليومي للفلسطينيين بسبب الاحتلال، بل تقلل من المعاناة التي يتعرضون لها، وتعفي الجيش من المسؤولية عن هذه المعاناة. ووسائل الإعلام الإسرائيلية تعتمد على الجيش وعلى قوى الأمن كمصدر وحيد للمعلومة في كل ما يتعلق بالصراع، حيث يعتبر الجيش في إسرائيل المؤسسة الأكبر من بين مؤسسات الدولة التي تحظى بالشعبية والثقة، كما دل على ذلك استطلاع للرأي حاز فيه الجيش على 95% من ثقة مواطني الدولة اليهود من بين المؤسسات الأخرى، وهذا غير مفاجئ، على ضوء الدعم الكامل الذي يتلقاه الجيش من وسائل الإعلام، التي هي نفسها تتمتع بنسبة ثقة أقل بكثير.

هنالك بعض وسائل الإعلام التي لديها نظرة ناقدة أكثر من غيرها تجاه المؤسسة العسكرية، كالقناة العاشرة وصحيفة هآرتس، وقد يظهر فيهما أكثر من غيرهما تنكيل الجيش ضد الفلسطينيين. ويقوم بهذا الدور أحياناً صحفيون مثل "جدعون ليفي"، و"عميرة هاس" من صحيفة "هآرتس"، وذلك بنشر قصص تعتبر "متطرفة" بالنسبة للإسرائيليين، ومثل هؤلاء الصحفيين يتعرضون للتهديد الدائم على حياتهم، واحتاج بعضهم أحياناً لخدمات الحراسة. لكن توزيع "هآرتس" لا يذكر مقارنة بيديعوت أحرونوت ويسرائيل هيوم، وهذه الحالات لا تعبر عن الوجهة العامة للصحافة في إسرائيل، ويستخدمها كثيرون كنقطة ضوء لبيان مدى حرية الصحافة في إسرائيل ونزاهتها، وللحفاظ على إسرائيل دولة ديمقراطية يهودية تحافظ على حقوق الإنسان، والحفاظ على مسمى أن الجيش أكثر الجيوش أخلاقاً في العالم، حسب فهمهم.

هذه "الصورة الجميلة" للدولة التي يحاول صحفيو اليسار المحافظة عليها، هي ذاتها ما تدعيه الصحافة اليمينية ولكن بطرق مختلفة، فالصورة التي علقت في ذهن الإسرائيلي نتيجة لكل الجهد الإعلامي ومنذ زمن بعيد، هي أن إسرائيل تمد يدها دائماً للسلام، وتلتزم بالاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها، وأن العنف يفرض عليها دائماً من الجانب الفلسطيني والعربي، وهي تقوم فقط بالدفاع عن أمنها. إنها تستخدم القوة فقط إذا لم يكن لديها خيار آخر، وتهتم بالمحافظة على الابرياء! والفلسطينيون حسب الرواية الإسرائيلية التي تشكلها وسائل الإعلام هم العكس تماماً من إسرائيل، حيث يتم تصويرهم في أحيان كثيرة كشيطان، غير معني وغير قادر للوصول إلى اتفاق سلام، فهم من بادر بالصراع، وهم يقتلون الأبرياء لأنهم منعدمو الأخلاق!

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018