دمية تحكي قصة.. علاج بالدراما ينفذه "مسرح نعم"

 

تتوسط المدربة بشرى الأطرش حلقة صنعتها 16 امرأة من مخيم الفوار، تمسك كلّ منهن دمية صنعتها بنفسها وأطلقت عليها اسماً من خيالها أو واقعها. في هذه الفعالية تتبدّل الأدوار، فكلّ دمية ستتبنّى قصة صاحبتها وتحكيها بلسانها. كانت هذه الفعالية تابعة لسلسلة من ورشات تمكين المرأة وتعزيز حقوقها باستخدام الدراما التي ينظمّها مسرح نعم من الخليل.

تأسس مسرح نعم عام 2008 كمبادرة شبابية من قبل إيهاب زاهدة ورائد شيوخي ومحمد الطيطي، ليكون المسرح الوحيد المتخصص في استخدام الدراما في التعليم والعلاج في مدينة الخليل، من خلال إنتاج مسرحيات فنية هادفة وتوعوية مستهدفة فئة الأطفال والشباب.

يقول مدير مسرح نعم محمد عيسى: "مسرح نعم هو مسرح متخصص ومهني من الدرجة الأساسية وهو بنفس الوقت يستهدف فئة الأطفال والشباب"، ويضيف: "لأنّ العمل معهم سيستخدم العمل المسرحي من خلال بناء جيل زُرعت فيه ثقافة المسرح منذ طفولتهم وجعلهم رواداً له".

اكتشف فريق المسرح لاحقاً أن أغلب عملهم لا يستهدف الفئة العمرية ما تحت الـ 12 عاما والطاقم نفسه ليست لديهم الخبرة الكافية بالتعامل مع هذه الفئة بالعمل المسرحي لأن خبرتهم المسرحية لا تتناسب مع هذا الجيل. يقول محمد عيسى "كان من الضروري أن نجلب فريقا آخر يستطيع التعامل مع الأطفال لأن العمل معهم يحتاج لتركيز ومهارات محددة"، ويضيف: "قررنا انشاء مسرح للدمى من خلاله استطعنا التعامل مع هذه الفئة".

 

ورشات قسم الدمى

يندرج قسم الدمى تحت برنامج ريادي اسمه "نعم للشباب" الذي نُفذ عام 2010 دُرّب فيه 17 شخصا من محافظة الخليل على فنون المسرح، لينشئ بعدها مسرحا للدمى يستلمه 3 شابات وشابان. يتعامل قسم الدمى مع الأطفال والنساء خاصة ويهدف إلى تحقيق صحة نفسية أفضل لهم من خلال تقديم عروض مسرحية تسلط الضوء على مشاكل الطفل والمرأة وأيضا عمل ورشات وفعاليات تقدّم رسائل تربوية وهادفة للمجتمع.
عبد طرايرة، أحد أعضاء قسم الدمى والذي أشرف على العديد من ورشات الدراما ورواية القصص للأطفال، قال: "إن هذه الورشات تعتمد على استخدام الدمى وتوظيف أدوات الفن والمسرح في التعامل مع الأطفال وتعزيز قدرتهم على التواصل والتعبير عن المشاعر والتفريغ النفسي". ويضيف: "كما نقوم بتعلّم كيفية تأليف القصة وبنائها وسردها وذلك ليفرّغ الطفل عن احتياجاته ومشاعره وينمّي الخيال لديه". 

واستطاع طرايرة من خلال هذه الورشات الكشف عن مشاكل يعاني منها بعض الأطفال، وعن ذلك يقول "في إحدى الورشات التي نظّمت للأطفال الذين تعرّضوا للأسر قام أحدهم وهو يمسك بدميته ومن وراء ستارة المسرح بالبوح عن مشاكله التي تعرّض لها في سجون الاحتلال والتي كان رافضا بالبوح بها لأهله وأصدقائه".

وتعاملت بشرى الأطرش وهي أيضا من فريق قسم الدمى في ورشاتها مع فئة النساء المهمشات أو أمهات لأسرى أو لذوي الاحتياجات الخاصة، والتي تهدف إلى تعريف النساء بحقوقهن وتعزيز ثقتهن بأنفسهن وكيف يكتشفن نقاط القوة الكامنة في داخلهن ليحصلن على حقوقهن. 

وعن تجربتها تقول الاطرش: "يتم التخطيط لهذا النوع من الورشات بعد الاطلاع على أبرز قضايا المرأة وأهم الحقوق التي تحرم منها، وأنواع الاضطهاد الذي تتعرض له"، مضيفة "إنّ كل هذه المعلومات يتم التعرف عليها عن طريق المؤسسات والمراكز التي تتعامل مع النساء وأيضا ورشات العمل التي ننفذها مع النساء ثم بعد ذلك يتم بناء خطة لهذا النوع من الورشات".

وتشدد الاطرش على ان مثل هذه الورشات ساعدت الكثير من النساء أن يطالبن بحقوقهن مثل الميراث والعمل والتعليم، موضحة: "هناك قصة لسيدة هي أم وربة منزل وانقطعت عن الدراسة الجامعية ولكن بعد الورشة اخذت القرار بأن تعاود الدراسة لأنها توصلت لقناعة أن سعادتها تكمن في إكمال تعليمها".

العلاج بالدراما 

وفي السياق ذاته تبيّن المدّربة بترا البرغوثي والمتخصصة في مجال العلاج بالدراما، أن بإمكاننا استخدام الدراما والمسرح للعلاج النفسي من خلال مجموعة من الأدوات الفنية في إطار درامي مثل القصة ولعب الأدوار والحركة والصوت والرسم وغيرها كأسلوب آمن وغير مباشر لمعالجة القضايا والصعوبات التي يواجهها المنتفع بطريقة غير مباشرة.

"الأدوات المستخدمة كالدمى مثلا تعتبر وسيلة آمنة للتفريغ النفسي ويستطيع صاحبها البوح باحتياجاته، والتحدث عن مشاكله بطريقة غير مباشرة مما لا يسبب إحراجا له. ونستطيع التحدث عن مواضيع وقضايا يصعب التطرق إليها بالوسائل الأخرى"، توّضح البرغوثي. وتكمل: "الدراما تلعب على مستوى اللاوعي، إذ كل ما أدرك المرء جانبا معينا من احتياجاته من خلال الدراما ينقله لإدراك احتياج آخر فنعالجه ونحضر شيئا مناسبا لهذا الاحتياج". 

وتتابع البرغوثي: "تأتي إلينا في هذه الورشات أسيرات محررات قد اعتقلن منذ طفولتهن وخرجن من السجن بعدما أصبحن بالغات، فالكثير منهن عانين من ضياع الهوية ومعرفة ذواتهن، ولم يدركن مشكلتهن إلا بعد اللعب بأدوات الدراما التي ساعدتهن لاحقا على إيجاد الأجوبة لأسئلتهن ومعرفة ذواتهن". 

ولا يقتصر مسرح الدمى على إنتاج ورشات ومسرحيات، بل يسمح لفئات المجتمع المختلفة بالمشاركة في التمثيل بهذه المسرحيات، ففي عام 2017 تم إنتاج مسرحية بعنوان "وأنا كمان" التي سنحت الفرصة لذوي الاحتياجات الخاصة بالمشاركة بعمل مسرحيّ مع طلاب لا يعانون من إعاقات معيّنة، ما عزز ثقة الطفل بنفسه وتقبّل كل منهما للآخر. 

 

* خريجة حديثًا من دائرة الإعلام في جامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018