التعذيب في مراكز التوقيف.. بين تأكيد الحقوقيين ونفي الأجهزة الأمنية

 

في 31 مايو 2017، اعتقل أفراد من المباحث الجنائية المواطن (ب.م.ح) 25 عامًا، من مخيم جباليا، بدعوى حيازته مخدرات، الذي ادعى أن أفراد من الشرطة اعتدوا عليه بالضرب المبرح على بطنه ووجهه في ساحة المركز لنصف ساعة، ما أدى إلى تورم عينه وخده الأيسر، استدعى نقله لمستشفى العيون والخدمات العسكرية لتلقي العلاج.

ولم يكن حال (م.ع.غ) 30 عامًا، أفضل من سابقه، ففي السيارة، اعتدى عليه أفراد من الشرطة  بالضرب بأيديهم بواسطة الأسلحة التي بحوزتهم، بالإضافة إلى شتمه بألفاظ سيئة بعد مهاجمته أثناء تواجده في الشارع، وعندما وصل المركز، استمروا بالاعتداء عليه بالضرب، حيث حضر والده وأعمامه وكان الدم ينزف من فمه ويشعر بالدوار، وأصر ذووه على نقله إلى المستشفى، وبينت الفحوصات أن لديه شُعراً بالأنف ورضوضاً بكل جسمه.

ويورد التقرير الصادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بعنوان "التعذيب في السجون ومراكز التوقيف الفلسطينية"، ويغطي الفترة بين تشرين الأول 2016 حتى أيلول 2017، يورد 24 حالة تعذيب وغيرها من أشكال المعاملة القاسية تمت على أيدي أفراد من الأمن في الضفة الغربية وقطاع غزة. كما يتضمن التقرير 7 حالات وفاة في السجون ومراكز التوقيف، بينهم ثلاثة في الضفة الغربية.

 

الرأي الحقوقي والقانوني

يقول الباحث القانوني في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان محمد أبو هاشم لـ "الحال": هناك تعذيب داخل مراكز التوقيف، والمركز رصد عدداً من الحالات في الضفة الغربية وقطاع غزة، مؤكدًا أن هناك حالات تعرضت لتعذيب مبالغ به ونتجت عنه إصابات خطيرة.

وعن أساليب التعذيب التي يتم استخدامها، يقول: الشّبح والفلكة، وهناك من يتعرض للضرب الشديد والإهانة، إضافة إلى الاحتجاز في ظروف غير إنسانية، وهناك أكثر من صورة ونمط تستخدم بشكل متكرر، أغلبها تعتمد على توجيه الإهانات والضرب للمتهمين، للحصول على اعترافات أو لمجرد إيجاد ردع ذاتي لهم، خاصة في قضايا حرية الرأي. 

ويتابع أبو هاشم: "في ظل غياب الآليات الدستورية، نعتمد على الآليات القانونية التي لها علاقة باللجوء إلى المحاكم موضحًا أن المجلس التشريعي معطل بسبب ظروف الانقسام الفلسطيني، فيلجأوا إلى الضغط والمناصرة من خلال فضح هذه الانتهاكات وتوثيقها.

بدوره، يقول المحامي في مركز الميزان لحقوق الإنسان سمير المناعمة: تعتبر جريمة التعذيب من الجرائم الأشد خطورة التي يعاقب عليها القانون الفلسطيني من خلال مجموعة من القواعد التي تمنع ارتكاب مثل هكذا جرائم، بداية من القانون الأساسي الذي حذر ممارسة التعذيب ووفر حماية قانونية لكافة الحريات العامة من خلال المادة 32 من القانون، التي حذرت الاعتداء على الحقوق والحريات العامة واعتبرتها جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية بها بالتقادم.

ويؤكد قانون الإجراءات الجزائية عدم جواز ممارسة التعذيب بحق المتهمين من أجل انتزاع اعتراف منهم، واعتبر أي انتزاع باطلاً قانونًا.

وحول انضمام فلسطين لاتفاقيات حقوق الانسان، ومن بينها اتفاقية مناهضة التعذيب، يقول مناعمة: هناك التزامات فلسطينية تقع على السلطة ومن بينها اتخاذ تدابير تشريعية تجرم التعذيب وتحاسب وتضمن محاسبة القانون المحلي لمن يرتكب هذه الجريمة. 

 

الرأي النفسي

من جهته، يقول دكتور علم الاجتماع ورئيس مجلس إدارة جمعية الوداد نعيم الغلبان إن المتهم يكون بمركز ضعف ويشعر بالخوف والرهبة والاضطراب، والكثير منهم "يعترفون" باقتراف أعمال لم يرتكبونها جراء الخوف.

ويواصل حديثه لـ "الحال": الأصل تهيئة أجواء هادئة أمام النزيل، لأن الإنسان نتيجة الخوف يفقد توازنه والتحكم بأفعاله، وهذا بحد ذاته يفسد عملية التحقيق الشفافة، موضحًا: "نحن نريد الحقيقة وليس زيادة في عدد المجرمين نتيجة الضغط".  

ويؤكد الغلبان: لو كان المتهم مخطئاً وتم وضعه تحت التعذيب والترهيب، فسيرتعب من داخله ويزيد كراهية وميلا للجريمة، إضافة إلى شعوره بالانتقام، وبالتالي إنسانيته ستتشوه، ومن الممكن أن يمارس أموراً تتعدى الخط الأحمر من البعد الإنساني".

بدورها، تقول الأخصائية النفسية بمركز الأبحاث والاستشارات القانونية والحماية للمرأة سمر قويدر: بمجرد دخول المتهم مراكز التوقيف، يسيطر الخوف عليه وعندما يبدأ التحقيق يتوتر ويفكر بأكثر من شيء خاصة الذي يدخل لأول مرة، إذ تكون الفكرة غير واضحة لديه.

تضيف أن الحالات التي تتعرض للتعذيب يتم استخدام كافة الوسائل معها من أجل أخذ اعتراف، موضحة ان المتهم تحت الضغط ونتيجة الخوف قد يعترف ببعض المعلومات التي لم يرتكبها لمجرد الخلاص.

وتتابع: إذا كان التحقيق أكثر من يوم، فإن المتهم يفقد القدرة على النوم والتفكير خوفًا من النتائج التي تنتظره إضافة إلى الأعراض الجسدية كالصداع ووجع في المعدة وألم في البطن تكون مرافقة للشخص نتيجة ما يمر به أثناء التحقيق.

 

رأي الشرطة

يقول الناطق الإعلامي باسم الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة أيمن البطنيجي إنه لا يوجد تعذيب داخل مراكز التوقيف، موضحا: إن كانت هناك حالات، فهي تكون نتيجة أخطاء أو تجاوز من بعض أفراد الشرطة، وتتم معاقبتهم وتشكيل لجان تحقيق خاصة بهم؛ فهناك محاسبة ومتابعة صارمة تجاه أي شخص يتجاوز الصلاحيات المسموحة له ويرتكب أخطاء، واستخدام القوة ضد المتهمين مرفوض.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018