احتلال ورهاب وخوف تجبر القدس على النوم المبكر

 

تصارع القدس اليوم عدة تحدياتٍ تحاول طمسها وإخفاء هويتها والحد من عظمة مكانتها بين المقدسيين وغير المقدسيين، فمع مرور الوقت، لا يؤثر التهويد فقط على روح المدينة، بل إن مجموعة من القرارات الاسرائيلية الاقتصادية خربت تراث التجارة المقدسية في التسوق والسياحة وفي مجالات اخرى.

ففي هذه الايام وعلى عكس الماضي، تضطر أسواق القدس لإغلاق محلاتها التجارية ما بين السادسة حتى السابعة كحدٍّ أقصى، ما أثر سلبياً على اقتصادها الذي بدأ يتراجع بفعل هذه الخطوة وعدة عواملٍ أخرى سببها الاحتلال الذي يضيق على المقدسيين وتجارها وسكانها.

أسواق مدينة القدس الي تعود معظمها الى آلاف السنين، ومحلاتها التجارية التي تحمل حكايا وقصصاً كثيرة اشتهرت بتوافد أعداد كبيرة من السياح إليها على مر السنوات بدأت تفقد قيمتها وتتراجع، فإغلاق أسواق المدينة في الوقت الذي من المفترض أن تبقى فيه بعز نشاطها وحيويتها مقارنةً مع غيرها من المدن يضع علامة تعجب كبيرة، كونها العاصمة الفلسطينية وقبلة المسلمين الأولى ومركز الديانات المختلفة، حيث اعتاد الناس على بريقها ولمعانها رغم ما مرت به على مر العصور والسنين، إلا أن أمر مدينة القدس بدأ يخرج عن سيطرة سكانها وتجارها ليتولى الاحتلال أمرها ويضع صورتها في مكانٍ ليس لها. 

وروى بعض التجار المقدسيين لـ "الحال" أهم عوامل تردي الأوضاع الاقتصادية في القدس وأهم الأسباب التي تدفعهم للإغلاق مبكراً، فمنهم من أجمع على عاملٍ رئيسي وهو الاحتلال، ومنهم التاجر المقدسي حازم أبو نجيب الذي أكد على هذا خلال حديثه بالقول: "لا ننسى بالدرجة الأولى أن مدينة القدس تحت احتلال يحاول التنغيص على المقدسيين بكافة السبل من ضرائب وغيرها، فالمحل التجاري ذو الدخل القليل يحتاج إلى مصروف كبير لا يستطيع أن يبقى مفتوحاً لفترات طويلة كون القوة الشرائية أيضاً للمدينة أصبحت محصورة لفئة قليلة من الفلسطينيين نتيجة إحاطة المدينة بجدارٍ كامل، كما أن قوة الأمن والقوة العسكرية للاحتلال التي اعتدنا على رؤيتها دوماً في المدينة تشكل رهاباً وخوفاً لدى السكان خاصة على أطفالهم من الخروج للتسوق".

"الاقتصاد مبني على السياسة، وإذا كانت السياسة سليمة، فالاقتصاد سليم"، وهذا ما قاله التاجر المقدسي أحمد أبو غربية، مدعماً فكرة أن يكون الاحتلال سبباً رئيسياً في تدهور اقتصاد القدس، الذي يكمن في عدم الاستقرار السياسي وعزل الفلسطينيين في الضفة الغربية عن عاصمتهم ومنعهم إلى الدخول للصلاة في المسجد الأقصى والدخول إلى أسواق المدينة، عدا عن بدء الاحتلال بغض بصره عن الأشياء التي يمنع المقدسي وغيره من إدخالها من الضفة الغربية كالمواد الغذائية الممنوعة بهدف خنق تجار القدس وترحيلهم. 

 

تفضيل الأسواق الإسرائيلية

ويكمل أبو غربية حديثه ويتطرق الى عامل خطير وهو لجوء المقدسيين الى الأسواق الاسرائيلية، ظنّاً منهم أن البضاعة الاسرائيلية هي أفضل بكثير من بضاعة أسواق القدس، ويعود هذا حسب رأيه الى قلة ثقافة المواطنين بالبضائع التي يستوردها المقدسي التي قد تعد في كثير من الأحوال أفضل من البضاعة الاسرائيلية. 

ويؤكد أن الأسواق الاسرائيلية تلعب دوراً مهمّاً في تراجع اقتصاد المدينة من خلال تبني التجار المقدسيين الذين كانوا يعملون في هذه الأسواق سابقاً سياسات وأخلاقيات الأسواق الاسرائيلية من غلاء البضائع وقلة الثقة بين التاجر والزبون وإهمال بعض القواعد الأخلاقية التي يجب مراعاتها أثناء التعامل مع الزبائن. 

ويرى الكثير من المواطنين أن الوقوف بوجه الاحتلال هو الحل الأمثل لمواجهة كل ما يطرأ أمامهم من عقبات، فالخضوع للاحتلال هو أحد أهم الأسباب التي ستزيد من تهويد المدينة المقدسة بكافة مناحي الحياة فيها. 

ويتم ذلك من خلال حث الواطنين على إبقاء محلاتهم التجارية مفتوحة لوقتٍ أطول، وهذا ما أكد عليه التاجر المقدسي عمر إزحيمان في حديثه لـ "الحال": نوم القدس مبكراً هو خطأ يقع على عاتق التجار المقدسيين الذين يتواجدون في مدينة يجب أن يكون فيها حيوية أكثر، والخطأ يكمن أيضاً بعدم توفر المحلات التجارية التي تلبي حاجة المقدسيين، فأغلب المحلات التجارية التي نراها هنا هي محلات ملابس، لا يوجد أماكن كافية مثل القهاوي والمطاعم وغيرها لتكون متنفساً لهم ولهذا يلجأ غالبية المواطنين إلى رام الله وغيرها من المدن الفلسطينية التي قد يراها متنفساً له". 

 

مضايقات أمنية خانقة

وفي القدس، وعندما يحتاج المواطن لشراء غرض بسيط وخلال مدة لا تتجاوز الدقائق القليلة، قد يعود الى مكان ركن سيارته ليرى عليها مخالفة من الشرطة الاسرائيلية، وهذا بدوره يعود إلى قلة الأماكن التي يحتاج أن يركن المواطن سيارته فيها وبعدها عن المحلات التجارية نوعاً ما، وهذا الشيء قد لا نجده في مدن الضفة، وهذا ما أوضحه لنا التاجر المقدسي نافز أبو ميالة الذي أكد على وجود مضايقات أمنية خانقة يتعرض لها الشعب المقدسي وتجعله يفر بعيداً من مدينة القدس الى أماكان أكثر راحة، بالاضافة الى عدم تعرض المواطن الى تفتيشه او ما شابه كما يحصل في المدينة خاصة بعد الأوضاع الحساسة التي مرت بها مدينة القدس مؤخراً.

 

* طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018