أبو فاروق: الرَجُل المَقسم

 

يعيش السبعيني فؤاد سعيد الشلبي مع مقسم الهاتف منذ 36 عامًا، ويحرص على توفير ردود سريعة للمتصلين على دوائر جامعة النجاح الوطنية، ويكرر في عمله قائمة مفردات قصيرة هي في غالبًا: ألو، تفضل، صباح الخير، لحظة، ما رد، خطهم مشغول، حاول مرة أخرى.

يقول: بدأت العمل في الجامعة عام 1982، وقتها كان الهاتف يحتاج إلى جهد كبير، وكان يمر بمراحل تحويل يدوية مع دوائر البريد، ولا أنسى الهاتف التركي القديم الذي عملت عليه أول مرة. اليوم تغيرت الدنيا، وصرنا نفتش عن الأرقام التي لا نحفظها في الكمبيوتر، وبكبسة زر تصل إلى شخص في أي مكان، وانتشرت الهواتف المحمولة.

 

رنين وأرقام

يتسلح الشلبي أو أبو فاروق، بقلم وقصاصات ورق لتدوين ملاحظات وأرقام، ويوزع نظره على سجلات يدوية بألوان وخطوط مختلفة، وقربه قوائم مثبتة فوق طاولته، وعليها ملاحظات وتعديلات عديدة، وبالكاد يستعمل الحاسوب للوصول لرقم ما، ويوفر ردودًا في الدقيقة الواحدة على عدد كبير من المتصلين، ولا يمنحه رنين الهاتف هدنة إلا ما نادر. 

يقول: ولدت في حيفا قبل النكبة بأربع سنوات، وتعلمت في مدرسة كلية النجاح قبل أن تصير جامعة أو كلية، وحصلت على شهادة التوجيهي عام 1962، وخلال سنوات عملي لم أرد على أي معاكسة، وأكتفي بأن أقول لمن يخطئ بحقي (الله يسامحك)، ولا يحدث هذا إلا نادرًا، ولا تهمني معرفة هوية المتصلين مهما كانوا، والمهم أن أقوم بعملي.

يهرب الشلبي من عالم الهواتف بعد 8 ساعات عمل، ولا يحب تلقي الاتصالات في بيته، ولا يستعمل الهاتف النقال، ويرفض التعامل معه، ويكتفي بالتواصل مع أفراد عائلته.

 

بلا جوّال

ويضيف: لو اقتنيت جوالاً فإنني لن أستطيع النوم، وستتصل بي كل الدنيا إن عرفت رقمي، وتطلب أرقامًا خاصة لموظفين ومحاضرين، وهذا أمر مزعج كثيرًا، ولن أقبل به.

كان أبو فاروق شاهدًا على تغيرات كثيرة طرأت على الجامعة ونابلس وعالم الهواتف، فتضاعفت أعداد الطلبة وموظفيها، وتوسعت كلياتها، وصارت تتوزع على قسمين: الأكاديمية والحرم القديم، وكان من بين المحاصرين داخل الحرم الجامعي خلال حصار جيش الاحتلال لها عام 1992، (في 13 تموز واستمر 72 ساعة بدعوى وجود مطلوبين مسلحين) ويومها لم يسكت الهاتف. 

يقول: تغير راتبي مرتين، وتبدلت طريقة الاتصال، وزادت أعداد الهواتف الأرضية، وانتشرت الجوالات بكثرة، وتضاعفت أعداد أرقام الهاتف، والدوائر الأكثر طلباً القبول والتسجيل في بدايات الفصول الدراسية، والقسم المالي، والإدارة، والعلاقات العامة.

ويتابع: أحفظ الكثير من أرقام الأقسام الداخلية، وأنفذ طلبات المتصلين بسرعة كبيرة، وحياتي كلها أرقام، وأكثر صوت سمعته في حياتي رنين الهاتف، وأوفر استفسارات على  نحو 20 خطًا هاتفيًا مجتمعة، وليست هناك فرصة لالتقاط أنفاسي، وبالكاد استطيع تناول فنجان القهوة، أو أداء الصلاة، وأتلقى استفسارات مباشرة من الطلبة والزائرين، وهذا يضاعف مهامي.

 

حاسوب وإنترنت

لا يرغب الشلبي في تعلم الإنترنت أو امتلاك حساب "فيسبوك"، ولا يحبذ استخدام الحاسوب إلا حين يعجز عن إيجاد رقم دائرة ما، ولا يذكر أن عدد أرقام الجامعة الداخلية قد زادت عن الأربع خانات منذ التحاقه بعمله.

يتضايق أبو فاروق من الاتصالات بعد انتهاء العمل، ولم يسبق أن تعرض صوته للإرهاق، ولا يتناول مشروبات خاصة للحفاظ على نبرة صوته، ويكتفي بشرب الشاي والقهوة، ويحفظ أرقام أولاده الأربعة: ولدان وبنتان، ويحب عمله، ويحرص على عدم إضاعة وقته، فالأمر متصل بحاجة الناس.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018