"شمال وجنوب": أسئلة نسوية بين العائلة والمصنع

 

شمال وجنوب "north and south" هو مسلسل درامي بريطاني قصير للمخرج الانجليزي برايان بريسفال، وهو مكون من أربع حلقات، يترك اثرا كبيرا على فكرة الانتقال بين الطبقات سواء كان هذا الانتقال خيارا ذاتيا للناس او معادلة تفرضها الظروف. ويضع النقاط على الحروف في قضايا تبدّل أدوار النساء من المجتمعات التي توصف فيها الاسرة بالأبوية كما هو حال الجنوب في الفيلم، الى مجتمعات توصف فيها الاسرة بالعمالية في الشمال، وفي كلا المجتمعين تظل المرأة في علاقات قوة مكسورة وغير متوازنة مع الرجال ومع باقي قوى المجتمع.

تدور احداث المسلسل حول قصة فتاة شابة "مارجريت هيل" من الريف في جنوب انجلترا، وهي ابنة رجل دين تنتقل مع عائلتها إلى الشمال ذي الطابع الصناعي. تلقي هذه النقلة الضوء على المفارقة الكبيرة بين نمطي الحياة في الشمال الصناعي والجنوب المترف، وتعرض قصة الفتاة الشابة الصراعات الطبقية في انجلترا في منتصف القرن التاسع عشر.

الجنوب: هادئ، يكتسي اللون الأخضر، لون الأشجار والطبيعة، ومعظم نشاطات سكانه تتمثل في الزراعة، وهم من طبقة اجتماعية أعلى من سكان الشمال، ومنهم عائلة القسيس ريتشارد هيل التي تترك الجنوب لاحقا وتتجه نحو بلدة ميلتون في الشمال.

الشمال: صاخب، وبيئته ملوثة من دخان المصانع ومخلفات الطواحين، كما أن سكانه إما عمال فقراء يقتسمون الكد والعناء من عملهم في المصانع أو أصحاب مصانع، وهم في موقع اجتماعي أقل من أهل الجنوب.

ريتشارد هيل هو صاحب قرار الانتقال إلى ميلتون في الجنوب بعد تخليه عن منصبه في الكنيسة، ورغم عدم ارتياح باقي أفراد الأسرة لهذا القرار، إلا أنهم يجب أن يتبعوا رب الأسرة ومعيلها. بعد الانتقال تبدي مارغريت تعاونها مع أبيها في مهمة البحث عن منزل جديد، وتخرج إلى شوارع المدينة وأسواقها باحثة عن محاولات للتأقلم مع الحياة الجديدة. بينما زوجة ريتشارد تبقى منغلقة على نفسها وتبدي انزعاجها من نمط الحياة الجديد وتوبخ زوجها باستمرار على هذا القرار، وتبدي خادمة العائلة أيضا تذمرها وانزعاجها من هذا الانتقال.

 يعبر استياء وتجهم الخادمة والسيدة هيل تجاه الانتقال إلى ميلتون عن رفضهم التخلي عن المكانة الاجتماعية التي حصلوا عليها في الجنوب، وقبول مكانة اجتماعية جديدة ومختلفة في الشمال. ويظهر هذا الاستياء التغيرات في أدوار النساء عند الانتقال من الجنوب إلى الشمال، إذ إن الموقع الطبقي لنساء الجنوب المترف يختلف تماما عن موقع نساء الشمال الفقيرات.

تسعى مارغريت إلى مساعدة الخادمة بهدف تخفيف الأعباء عنها ودفعها إلى الكف عن التذمر وتقبل القرار الجديد الصادر عن الأب. وربما تعاطفها هذا ناجم عن ملامستها لحياة النساء الصعبة في ميلتون، فهن مجبرات على العمل في المصانع ليس فقط لتخفيف العبء عن أزواجهن وإنما للتخفيف من حدة الفقر، ورغم عمل نساء الشمال جنبا إلى جنب مع أزواجهن، إلا أن أجورهن قليلة ويحددها أرباب العمل. 

ويظهر أحد المشاهد قسوة الحياة في ميلتون، فبينما تمر مارغريت من السوق ترى طفلة تبكي، فتسأل امرأة :"لماذا تبكي الطفلة؟"، لترد المرأة: "فقط لأنها جائعة". 

وبالنسبة لجون ثورنتون، وهو صاحب مصنع قطن وأحد تلاميذ ريتشارد والد مارغريت، وصل إلى ما وصل إليه بالكد والمثابرة، وهو شخص قاسٍ في تعامله مع عمال المصنع، ويحاول تبرير قسوته لمارغريت على أن هذه القسوة هي متطلب لضمان نجاح سير العمل بالشكل السليم. أما أخته، فمولعة بالجنوب، وتتمنى زيارته، ولكنها تبدي عدم رغبتها في ذلك أمام مارغريت لأن أمها ترى أن الجنوب كسول. 

قصة حب تشعلها الدراما

تتعاطف مارغريت مع العمال الفقراء منذ بداية انتقالها إلى ميلتون، فيدفعها ذلك إلى صراع درامي مع جون ثرونتون، وهو صاحب أحد مصانع القطن، يمارس جبروته وقسوته على الدوام تجاه العمال، مبررا ذلك لمارغريت بأن هذه القسوة مطلوبة لضمان سير العمل بالشكل المطلوب.

تحدث هذه التفاعلات صراعا آخر بين العمال وأصحاب المصانع، ينتهي بتنفيذ عمال المصانع اضرابا عن العمل، ويتجهون نحو بيت جون ثرونتون ويحاولون ضربه، لكن مارغريت تنقذه منهم.

يعبر جون ثرونتون عن حبه لمارغريت ويتقدم لخطبتها، لكنها ترفض الزواج منه، لأنها تراه بهذه الخطوة يحاول حمايتها واحتواءها. بعد ذلك، تستمر الأحداث بالتسارع إلى أن يراها تودع أخاها الهارب عند محطة القطار، "وهو ضابط بحري متورط في تمرد ولا يستطيع العودة إلى انجلترا"، فيظن أنه عشيقها. بعد هذه الحادثة تعتقد مارغريت أنها فقدت حب ثرونتون لها، فيزداد اعجابها وحبها له.

يمكن القول إن عائلة ريتشارد وثورنتون هما عائلتان أبويتان، ولكن مع مراعاة نمط الحياة لكل من العائلتين. كما أن موقع النساء ربما يختلف من حيث المكانة الاجتماعية "مقارنة نساء الشمال بالجنوب"، إلا أن النساء في الشمال "العاملات في المصانع"، لا يختلفن كثيرا عن نساء الجنوب "مارغريت والسيدة هيل"، فهن يعملن لصالح أسرهن وأزواجهن، ويعملن تحت رعايتهم أيضا. ولكن ذلك لا يغفل الفرق الأبرز بينهن، إذ هنالك فرق بين نساء الجنوب ربات بيوت وبين نساء الشمال العاملات اللواتي مكانهن في الغالب المصانع.

ويظهر المسلسل الصراع بين الجانب الانساني الذي حملته مارغريت والتحولات الاقتصادية في الثورة الصناعية التي صقلت الانسان، ودفعته لتسخير كل شيء خدمة لهذا التحول، بدءا من قسوة التعامل وظروف العمل الصعبة وانتهاءً باستغلال عمالة الأطفال والنساء كأيدٍ عاملة رخيصة. 

والمثير في هذا الجانب أن المسلسل عبر حواراته وايماءات جسد الممثلين وملامحهم كلها مجتمعة تعيد بناء الماضي بلغة الحاضر، فالمشاهد لهذا المسلسل يجري مقارباته الخاصة بين الماضي البعيد لهذا المسلسل والحاضر القريب للواقع.

ومن الجدير ذكره، أن هذا المسلسل الدرامي مبني على الرواية الفكتورية "شمال وجنوب" للكاتبة البريطانية اليزابيث غاسكال، التي نشرت عام 1885. 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018