تيسير عاروري.. نضال ضد الإبعاد الجماعي (الحلقة الأولى)

رن جرس الهاتف في حضانة مرح في البيرة، على الطرف الآخر العم والرفيق عطا الله عبد المجيد زوج عفاف شقيقة تيسير. كانوا في طريقهم لزيارتنا. يتصل بي من مكتب تكسي البيرة ليخبرني أن تيسير اعتقل عند أطراف بلدة البيرة القديمة، وأن الدورية متجهة به إلى المقاطعة، وأن جنديّاً آخر يقطر سيارته وبها عطاف، شقيقة تيسير الصغرى، حيث كانا يبحثان عن شقة لها.

أغلقت الهاتف وحملت ابنتي ناديا ذات العام ونصف العام، وأسرعت إلى البيت قبل أن يصل الجنود لتفتيشه كما جرت العادة، فهناك ما يجب التأكد من أنهم لن يستطيعوا الوصول إليه: أوراق العمل السري لتيسير التي تفصل آليات التوعية والتعبئة الجماهيرية وأمور أخرى كانت هي أسس العمل السياسي في تلك الحقبة، التي جعلت من الانتفاضة حراكا جمعيا بامتياز.

بعد إنجاز المهمة، تركت أطفالنا الثلاثة بالبيت "فارس ونتاشا وناديا"، واتجهت بسرعة إلى مبنى المقاطعة القديم في شارع الإرسال، والأفكار والهواجس تضطرب في رأسي: هل نحن كعائلة أمام مفترق طرق؟

وصلت، وكانت سيارة تيسير مركونة بالشارع، فركنت سيارتي ودخلت شارع المقاطعة الطويل، وإذ بجنديين يرافقان تيسير عائدين من عند سيارته لإحضار أدويته وبخاخ رئتيه. تقدمت منه والجندي يصرخ "لا تقتربي!". ضمني. ضممته وهمس باذني: "اطلبي لي محامياً بسرعة، واضح أن هناك أمرا صادرا بإبعادي. كابتن (أبو النمر) سألني بعد أن اعتقلني مباشرة إن كنت قد سبق وركبت طائرة هيلوكبتر، وقال (أبو النمر) إنني سأركبها على حساب دولة إسرائيل".

سحب الجندي تيسير داخل باب المقاطعة. انتهت المقابلة القصيرة لنبدأ رحلة النضال ضد قرار الإبعاد عن الوطن. هذا القرار الذي قلب حياتنا رأساً على عقب وترك أثره المرّ عليها ليومنا هذا منذ ثلاثين عاما، وحتى بعد رحيل تيسير عن عالمنا. المسمى (أبو النمر) قال لتيسير لحظة اعتقاله: "هذا التاريخ 8/8/1988 لن تنساه أبداً"، وبالفعل، نحن حتى اليوم لم ننسَ قسوة ذلك اليوم الذي ارتبط كتاريخ مفصلي مؤلم وسيئ في حياتنا.

عدت إلى البيت مباشرة للاتصال مع محاميته فليتسيا لانغر لتوكيلها بالقضية، وهي محاميته طوال اعتقاله الإداري لثلاثة واربعين شهرًا في سبعينيات القرن الماضي. طلبت أرقام الهواتف التي لدي لمكتبها ولبيتها، ولا أحد يجيب. ثم عرفت أنها خارج البلاد في رحلة ربما تكون طويلة. إذاً ما العمل؟!  قررت الاتصال مع الصديق المحامي جواد بولص الذي تعرفنا عليه قبل سنوات أثناء تدربه في مكتبها، والذي قدّر خطورة الموقف الذي يتعرض له تيسير، فحضر الساعة الحادية عشرة والنصف ليلًا الى بيتنا وأخذ الوكالة. صباح اليوم التالي بحث جواد عن تيسير فوجده قد نقل الى سجن الظاهرية جنوب الخليل، حيث وصل اليه يوم العاشر من أغسطس. يروي لنا جواد في شهادته المؤثرة "فتشوا عنه تجدوه" في كتاب "تيسير: تاريخ يروي سيرة يصعب ردفها" (3): "لقد كان واضحًا لكلينا أنّه فيما إذا صدر أمر إبعاد بحقّه فيجب أن تكون مواجهته الرئيسة سياسيّة. إنّ نفي إنسان من وطنه وانتزاعه من حضن عائلته هو قرار سياسيّ تعسّفيّ غير إنسانيّ. مع هذا، اتّفقنا أن نستغلّ ما يتيحه ذلك "القانون" كأداة من الجائز أن "نعزف" عليها لإثارة الضجّة ونقل تداعيات القضيّة إلى العالم علّهم يعلمون ويفقهون". 

ومن هذا المنطلق، تشارك تيسير وجواد بِحَبْكِ ثلاثة عشر شهراً من النضال ومقارعة الاحتلال ومحاكمه العسكرية وصولاً إلى المحكمة العليا في قضية الإبعاد هذه، جاعلين منها إحدى أصعب الحالات في تاريخ المحاكمات السياسية اسرائيلياً.

كان تيسير ضمن الدفعة الثانية من قوائم المبعدين (التي شملت 27 مناضلا، 15 من الضفة الغربية و12 من قطاع غزة من شتى الفصائل ومكونات المجتمع الفلسطيني) ، فيما عرف بـ"سياسة رابين الإبعاد الجماعي" التي استهدفت قيادات الانتفاضة وبدأت في ربيع العام 1988، وكان عمرام ميتسناع الذراع التنفيذية لهذه السياسة بصفته رئيس الإدارة المدنية في ذلك الوقت. 

وقد كتب عدنان داغر في شهادته "مشواري مع تيسير ما بين السجن، والحزب، والإبعاد" حول هذا الموضوع قائلاً:

"بعد اندلاع الانتفاضة (9/12/1987) بوقت قصير نسبيًّا، جرى تشكيل القيادة الوطنيّة الموحّدة للانتفاضة، من التنظيمات الفلسطينيّة الرئيسيّة الأربعة ذات التأثير والنفوذ في المناطق الفلسطينيّة المحتلّة (الحزب الشيوعيّ الفلسطينيّ، وحركة فتح، والجبهة الشعبيّة، والجبهة الديمقراطيّة). كان هناك مستويان للقيادة: قيادة مباشرة (ميدانيّة)؛ وقيادة غير مباشرة، وكانت على مستوى المسؤولين في قيادات الصفّ الأوّل للتنظيمات الفلسطينيّة المختلفة. كانت الأمور العامّة تناقش في القيادة غير المباشرة، ويترك التنفيذ الميدانيّ للقيادة المباشرة للانتفاضة. اختارني الحزب [الشيوعي] لتمثيله في القيادة المباشرة، وكنت أشغل حينها منصب سكرتير منطقة رام الله الحزبيّة. في حين كان تيسير في القيادة الأخرى التي كانت مرجعيّة القيادة المباشرة، وكان عضوًا في المكتب السياسيّ للحزب. ولذا، كنت على صلة مباشرة ودائمة معه فيما يتعلّق بفعاليّات الانتفاضة المختلفة، والتنسيق مع القوى الأخرى الشريكة في القيادة، وإعداد بيانات القيادة وتوزيعها. أثناء الإعداد للبيان الثاني عشر للانتفاضة، ألقت سلطات الاحتلال الإسرائيليّ القبض علينا (القيادة الموحّدة للانتفاضة) أثناء اجتماعنا لوضع اللمسات الأخيرة على بيان القيادة. قبل الاجتماع بوقت قليل (أقلّ من ساعة)، كان لي لقاء مع تيسير للتزوّد بتعليمات الحزب فيما يخصّ البيان المزمع إصداره. وكانت آخر كلماته لي في ذلك الوقت هي "الانتباه جيّدًا وأخذ الحيطة والحذر، حتّى لا يتمّ كشفنا وكشف مكان اجتماعنا". لكنّ خطأً ما، من قبل أحد الشركاء، أدّى إلى اعتقالنا. كان ذلك في يوم 22 من شهر نيسان 1988. صدر أمر عسكريّ من قائد المنطقة الوسطى لسلطات الاحتلال آنذاك (عمرام متسناع)، بإبعادنا إلى جنوب لبنان، وتمّ تنفيذ الأمر فعليًّا في 1/8/1988، بعد استنفادنا للإجراءات الإداريّة والقضائيّة، في محاولة أخيرة للتشبّث بأرض الوطن".

في مساء الأربعاء 17/8/1988، تم تجميع معتقلي الدفعة الثانية الخمسة عشر من السجون المختلفة: المسكوبية، ورام الله، وطولكرم، والنقب و"أنصار- 3"، في سجن الجنيد وتسليمهم أوامر الإبعاد. على إثر ذلك بادر تيسير الى تقديم اقتراح للمجموعة بضرورة عدم الاستسلام والإذعان لأمر الإبعاد، وركز على أهمية التوجه للمحاكم الإسرائيلية من أجل تعرية قرارات المحتل وفضحه عالميًّا وعدم السماح للمحتل بتمرير هذه السياسة دون مقاومة؛ خاصة أنها ظاهرة تأخذ بعداً خطيراً على مجموعات المناضلين في قيادة الانتفاضة لضربها وقيادتها في مهدها، ولتفريغ الحركة الوطنية من قيادتها الفاعلة. بعد نقاشات طويلة نجح تيسير بإقناع 12  معتقلاً من مجموعته بالانصمام إليه والتوجه الى المحاكم للتصدي لأوامر الإبعاد، فيما أبعد اثنان مباشرة الى جنوب لبنان.

لأكثر من عام خضنا كمناضلين وعائلاتهم وأحزابهم السياسية ومحاميهم معركة شرسة من أجل إلغاء أوامر الإبعاد ولكي نبقى في الوطن. كانت تجربة صعبة ومؤلمة، ملحها اليومي صمود المعتقلين وتطور الانتفاضة وتخبط الاحتلال الإسرائيلي وأجهزته الأمنية، وأمل بالنصر والبقاء في فلسطين ولو في المعتقل.

وقف أوامر الإبعاد بحق المعتقلين من قادة الإنتفاضة كان هدفنا من معركة النضال ضدر قرارات الإبعاد. فهل سيوقف نضالنا سياسة الإبعاد الجماعي؟

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018