.. هكذا تحرس الحاجة أبو حجلة تراث دير استيا

 

ما إن تصل وسط بلدة دير استيا بمحافظة سلفيت، حتى تُرشدك مئذنة المسجد الغربي القديم إلى ساحة الشهداء، حيث يتمازج الحجر العتيق مع الترميم المعاصر، وتتسلل إلى الصورة بضع أشجار يانعة وباقات من الأزهار المتنوعة، ليظهر أمامك المشهد بأبهى حلّة. تقودك بضع خطوات من الساحة إلى "السيباط" أو "العقد". أنت الآن أمام قوسٍ يختزل قروناً طويلة، تقف مقابل المدخل الغربي للبلدة القديمة في دير استيا. يأسرك المكان، ثم تتقدم بشغف، فتقطع التجويف الحجري المُقوّس فيه لتظهر أمامك الحاجة فوزية أبو حجلة "أم عكرمة"، فتستقبلك بابتسامة وبحفاوة.

على اليسار، وسط بيت قديم مُرمّم يمتاز بالجمال، كأنه لوحة يتداخل فيها الماضي والحاضر، يلفت انتباهنا بقايا بوستر قديم لشهيد، ثم ندخل المنزل فنشاهد صورتين لشهيدين، ثم نجلس على مقاعد أمام المنزل لتبدأ الحكاية حول حجارة ليست مجرد حجارة، ومكان ليس مجرد مكان، نتجاذب أطراف الحديث حول البلدة القديمة، فتقول الحاجة أم عكرمة: "تقطن في البيوت القديمة حاليا نحو 20 عائلة، إضافة لوجود بعض مقرات المؤسسات، ويجري العمل حاليا في مشروع تنفذه الجهات الرسمية يقضي بترميم قصر تبرعت فيه عائلة من آل أبو حجلة بغرض تحويله لفندق وقاعات متعددة الاستعمال".

وعن مساحة البلدة القديمة ومميزاتها، توضح أم عكرمة أن المنطقة تتربع على 54 دونما تقريبا، مشيرةً إلى تنوع الأشكال العمرانية فيها، ما بين الأقواس والأحواش، والزخارف، والمضافات، والسيابيط "المداخل الحجرية المقوّسة"، وتعود هذه المعالم إلى الحقبتين الرومانية والمملوكية.

تقطن الحاجة أم عكرمة منذ زواجها في منزلها، وترفض استبداله قطعاً، حيث إن للمنزل مكانة عظيمة في قلبها، وفي هذا الصدد تردف: "أسكن في بيتي هذا منذ زواجي، ولم أستبدله ولن أستبدله، نظرا لميزات كثيرة وعوامل متعددة، أبرزها: أن كل ذكريات حياتي في هذا المنزل، فالخروج منه غربة، ومنها ذكرياتي مع عائلتي، ومع ابنيّ الشهيدين نهاد وعلي، حيث ارتقى الأول في الانتفاضة الأولى والثاني خلال انتفاضة الأقصى، والأمر الآخر أنني اعتدت على البيت القديم بمواصفاته المميزة التي لن تجدها في أي بيوتٍ أخرى".

يُذكر أن عدداً من شهداء بلدة دير استيا اتخذوا من البلدة القديمة ملاذاً لهم خلال فترة ملاحقة الاحتلال لهم، كما أنها ضمّت اجتماعات لقيادات خلال الاضراب الشهير عام 1936م.

وحول المواصفات المميزة النادرة للبيوت القديمة، توضح الحاجة أن أجواء البلدة القديمة جميلة، من حيث لمّة الجيران، والمنظر الرائع أمام المنزل حيث أشجار الزينة والورود المختلفة التي تتداخل مع الجدران الحجرية العتيقة، وتضيف الحاجة: "إن هذا البيت القديم أفضل مليون مرة من أي بيت جديد، فنحن لا نحتاج لأجهزة تكييف في الصيف ولا لوسائل تدفئة خلال فصل الشتاء، حيث إن طبيعة بناء هذه البيوت تلائم المواسم والفصول، ففي الصيف تعطينا البرد الجميل، وفي الشتاء تمدنا بالحرارة والدفء".

عام 2003 شكّل محطة فارقة في البلدة القديمة، حيث دخلها مشروع الترميم الأبرز، بتمويل الجهات المانحة وعددٍ من المؤسسات والجمعيات وبتنفيذ الجهات الرسمية، وسبقته عدة مشاريع، من بينها مشروع ترميم شبابي بأدوات بدائية نفذه اتحاد الشباب الفلسطيني، لكن كما ترى الحاجة أبو حجلة فإن هذه المشاريع كانت "منقوصة"، حيث إنها لم تشمل بيوت البلدة القديمة بل اقتصرت على الطرق الرئيسية.

وتتابع الحاجة: "لا شك أن لمشاريع الترميم ايجابيات ولا أحد ينكر ذلك، مثلا البلدة القديمة دون سواها من مناطق دير استيا تتوفر فيها شبكة صرف صحي، لكن المشكلة والسلبيات تتمثل بعدم شمول البيوت في المشاريع، كما أن المناطق نفسها خارج البيوت بقيت مساحاتٌ منها بلا ترميم، وهناك بيوت قديمة مهجورة لكنها آيلة للسقوط ولم تشملها المشاريع".

الحاجة فوزية أبو حجلة تداوم على ترميم منزلها سنويا من مالها الخاص، وتحرص على تجديد وصيانة ما يلزمه عبر تفقده، لكنها في هذا الاطار تقول: "طبعا الصيانة والتجديد بالنسبة لي، لا تعني المساس بالطابع القديم وهو الذي يعطي للمكان تميزا".

وتنوّه الحاجة إلى أن غيرها من العائلات قد لا تمتلك المقدرة على ترميم منازلها بشكل سنوي، مضيفةً: "هذه مشكلة يجب الوقوف عليها، فالبلدة القديمة هي كنز تراثي ومعلم لا يخص سكانها فقط، بل نحن السكان وأهالي دير استيا عامة نرحب بأي ضيف، فأدعو الجميع لزيارة المنطقة، وهنا أود أن أذكر أنه في عام 2012، جرت مراسم زفاف العروسين ثائر ومها من مخيم اليرموك في البلدة القديمة، وبيتي كان أحد المنازل التي استضافت مراسم الزفاف".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018