جولة مع الجالية الافريقية في البلدة القديمة بالقدس

 

في الحائط الغربي للمسجد الأقصى، وتحديداً باب المجلس أحد أبواب المسجد الأقصى السبعة، تستقر الجالية الافريقية في البلدة القديمة بالقدس التي يبلغ عدد أفرادها حاليا 750 شخصا، 450 منهم فقط يقطنون في رباط علاء الدين البصير والرباط المنصوري.

 

الهجرة والنشأة

يقول المؤرخ المقدسي من الأصول الأفريقية محمود جدة: "تعود قصة هجرة الافارقة في فلسطين الى أواخر القرن التاسع عشر، وتعود جذورهم الى دول تشاد، ونيجيريا، والسودان، والسنغال. ووراء مجيئهم الى هذه المدينة المقدسة سببان: الأول ديني، حيث جاءوا لأداء ما توصف بالحجة المقدسية، وهم بهذه الحالة يكونون قد حجوا الى المواقع الثلاثة الأساسية في العقيدة الإسلامية، وهي الحرم المكي والحرم النبوي والحرم القدسي، والسبب الثاني جهادي حيث قدموا للدفاع عن المقدسات الإسلامية ضد التواجد البريطاني ومن ثم الصهيوني". 

ولم يعد أغلب الافارقه الى دولهم، بل استقروا بجانب المسجد الاقصى بهدف حمايته وجواره، يقومون بحراسته والاعتناء بنظافته وخدمة زواره، حيث كانوا يملكون مفاتيح المسجد الاقصى في زمن الحكم التركي واستمروا بمجاورته حتى يومنا هذا. 

 

النضال الفلسطيني

إن انخراط الجالية الافريقية في النضال الوطني الفلسطيني ليس غريبا، فهم قدموا وهدفهم الدفاع عن القضية الفلسطينية. يقول جدة: "كان هدف قدومنا الدفاع عن القدس والمسجد الاقصى واستمررنا على هذا النهج نحن وأبناؤنا واحفادنا حتى يومنا هذا". 

وفي الثامن عشر من تموز 2017، عندما نصبت قوات الاحتلال الإسرائيلي بوابات حديدية على أبواب المسجد الاقصى، ما أدى إلى غضب المقدسيين فاعتكفوا في الطرقات وصلوا على أرصفة القدس؛ يقول جدة: "لمدة 14 يوماً، قضى أبناء الجالية الافريقية مرابطين على أبواب المسجد مع المقدسيين وفتحوا بيوتهم وقدموا طعامهم مساندة لهم لإخوتهم المقدسيين في رباطهم".

 

التماسك الاجتماعي

تتميز الجالية الافريقية بروابط اجتماعية قوية، ويظهر ذلك في المشاركة الكاملة في الأفراح والأتراح، فبقيت بعض العادات الافريقية حية لديهم، حيث يجتمعون في فرح أحدهم ويصنعون "العصيدة"، التي تتكون من سميد ولحم وبامية، وتطبخ وتقدم للجميع. وأضاف جدة: "وفي الأتراح يجمع أبناء الجالية المال لعائلة المتوفى، ليتكفلوا بجميع تكاليف عزائه ودفنه". 

أما بالنسبة للتعليم والانخراط المجتمعي مع أهل القدس، فيقول موسى قوس (55 عاماً)، وهو أحد أبناء هذه الجالية، ومن القائمين على جمعية الجالية الافريقية: "يعد أبناء الجالية الافريقية من الكادحين وسبب ذلك يعود إلى التسرب من المدارس للمساعدة في إعالة العائلات، فمعظم الشباب هم من العمال، وقلة قليلة منهم موظفون، وكان عملهم الرئيسي السابق مقتصراً على حراسة المسجد الأقصى، والبعض الآخر يعمل في تحميص الفول السوداني".

وأضاف قوس: "بعض أبناء الجالية يشعرون بالتمييز العرقي، فالبعض ينادونهم أحياناً "حبس العبيد"، نسبة إلى لون بشرتهم الداكن أو على على خلفية فكرة خاطئة أنهم من العبيد، وثمة من يرفضون التزاوج مع أبناء الجالية.

 

أول أسيرة فلسطينية

وعندما نذكر الجالية الافريقية، فإننا نذكر أول أسيرة فلسطينية، وهي ابنة الجالية الافريقية فاطمة برناوي، التي يقول عنها جدة: "هي أول من نفذ عملية فدائية ضد الكيان الصهيوني بعد نكسة حزيران 1967، وأمضت في الأسر عشر سنوات، وأفرج عنها في إطار عملية تبادل، ومن ثم عادت مع السلطة الفلسطينية إلى أرض الوطن". وقد تولت برناوي قيادة الشرطة النسائية في السلطة الوطنية الفلسطينية. 

وساهم العديد من أبناء الجالية في جميع أشكال النضال الوطني لانتهاكات عديدة، منها الاستشهاد والأسر والاعتقال الإداري والنفي والابعاد وهدم المنازل والاقامات الجبرية. وأضاف جدة: "كل تيار وطني فلسطيني تجد له مؤيدين وأنصاراً بين ابناء الجالية الافريقية، وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدل على مدى اندماج أبناء الجالية الافريقية في النسيج الوطني الفلسطيني". 

 

ميزة الجالية

من خلال حديثنا عن الحياة واستمرارها في البلدة القديمة، قال جدة: "إن ما يميز الآباء شدة تمسكهم بعضهم ببعض، وتفقد أحوال بعضهم بعضاً، وهم يتفقدون أهلهم وجيرانهم". وأضاف انه لا يوجد تمييز بين ذكر أو أنثى، فالتعاليم الدينية أساس لدينا، ولكننا نعطي حرية للفتاة في اختيار الحجاب أم لا"، وبنات الجالية الافريقية الان يحصلن على أعلى المستويات التعليمة وعلى شهادات عليا في جميع التخصصات.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018