السعودية.. إلى أين؟

 

تباينت ردات الفعل حول التطورات الأخيرة التي شهدتها المملكة العربية السعودية على يد ولي العهد الأمير الشاب محمد بن سلمان. وكان ابن سلمان أعلن مؤخرًا إطلاق مجموعة من المشاريع السياحية والاقتصادية الضخمة التي وصفتها وسائل إعلام مختلفة بأنها ستغير وجه المملكة إلى الأبد، إضافة إلى قيامه باعتقال مجموعة كبيرة من أفراد الأسرة الحاكمة تحت بند الفساد.

وأظهرت ردود الفعل على جملة الأحداث الأخيرة آراءً كثيرة بين من يعتبر ما يجري في السعودية تحركات نحو الإصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وبين من يرى فيها محاولة للاستيلاء على السلطة من قبل الأمير الشاب خاصة في ظل عزل ولي العهد السابق محمد بن نايف من قبل الملك سلمان. في هذا التقرير، التقت "الحال" ثلاثة من المحللين والخبراء السياسيين، في محاولة لاستطلاع آرائهم حول هذه الأحداث. 

 

عودة: سياسة إصلاحية

ترى المحللة السياسية المقيمة في قطاع غزة رهام عودة أن تلك التطورات تأتي في سياق سياسة سعودية إصلاحية يتبناها الملك سلمان وابنه محمد في مواجهة الفساد المستشري داخل المملكة، وبهدف توفير موارد اقتصادية بديلة عن موارد النفط، عبر مصادرة أموال حصل عليها أصحابها بشكل غير شرعي وبشكل يضرّ بالاقتصاد السعودي. ومن هنا، ارتأت السعودية أن تستعيد الأموال لصالح خزينتها، وتوظيفها في المشاريع الاستثمارية التي تهدف إلى تنمية الاقتصاد السعودي.

في الوقت نفسه، حاول ولي العهد –كما تشرح عودة- أن يجابه المعارضة السياسية من بعض أفراد الأسرة الحاكمة تجاه صلاحياته، التي من شأنها أن تزعزع استقرار الحكم داخل العائلة الملكية، وأن تضعف الجبهة الداخلية بطريقة تشتتها عن سياسات الإصلاح اللازمة.

وعلى الصعيد الخارجي، توضّح عودة أن عدم استقرار الأوضاع في اليمن وسوريا من شأنه أن يعرض المملكة لأوضاع أمنية حرجة، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى تمكين نفسها لمواجهة الخطر الإيراني وتقويض النفوذ الشيعي في الشرق الأوسط وخاصة في بعض الدول العربية مثل البحرين واليمن ولبنان. ومن هنا، كانت تلك الإجراءات ضرورية داخليًا لمنع الاختراقات الخارجية لها.

واعتبرت عودة أن تصريحات ابن سلمان حول العودة إلى ما قبل عام 1979 تعبّر عن رغبة حقيقية منه بالعودة إلى فترة الإسلام الوسطي والقضاء على التطرف من خلال تقليص نفوذ وسلطة رجال الدين ذوي النفوذ داخل المملكة، في خطوة لتحييد رجال الدين عن قضايا السلطة والحكم العمل على إصلاحات دينية.

 

شنيور: تطور على دكتاتورية الملك

على الطرف الآخر، يرى المرشح لنيل درجة الدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة بروكسل رائد شنيور أن التغيرات الجذرية التي حصلت ولا تزال تحصل داخل المملكة منذ تولي الملك سلمان الحكم، أبرزها عزل محمد بن نايف، وتعيين ابنه محمد بن سلمان وليًا للعهد، تشير إلى أن الملكية في السعودية ستصبح عمودية (من الأب إلى الابن) بعدما كانت أفقية (بين الاخوة- أبناء الملك المؤسس، وبشرط ألا ينحصر الملك في فرع واحد من ذرية الملك المؤسس).

ويعتبر شنيور أن الأوضاع في السعودية تشير إلى تطور في الدكتاتورية الملكية، عبر تركز أكبر للسلطة في يد عائلة سلمان بعدما كانت موزعة بين أفراد من آل سعود. ومن هنا، يرى أن عزل بن نايف من ولاية العهد كان الحلقة الأولى للسيطرة المطلقة على السلطة من قبل محمد بن سلمان، التي تبعها بمجموعة أحداث تحت عنوان مكافحة الفساد، في محاولة لتقليم أظافر أصحاب السلطة المالية، والسيطرة على ممتلكاتهم تمهيدًا للمزاوجة بين السلطتين السياسية والمالية.

وحول تصريحات الابتعاد عن الأفكار المتطرفة، يستبعد شنيور أن تجري أية تغييرات فكرية حقيقية في العقلية السعودية، لأن التغيير "للأفضل" لا يأتي من خلال القمع إلا إذا تم إعادة توجيه المؤسسة الدينية في السعودية لتبني أفكار جديدة، تخالف أفكارها السابقة بشكل كامل، الأمر الذي لن يكون من السهل تحقيقه، خاصة أن سياسات محمد بن سلمان داخليًا وخارجيًا تعتمد على الإجبار والتهديد أكثر من أي شيء آخر، كما يرى.

 

عوكل: تغير في العقلية

من منظور آخر، يرى المحلل السياسي طلال عوكل أن السعودية كغيرها من الدول بحاجة ماسة إلى إحداث تغييرات سياسية جذرية لكن التحركات الأخيرة ظهرت وكأنها إجراءات تسعى إلى تمكين العائلة الحاكمة من مواجهة أية حركات معارضة محتملة.

وكنتيجة لذلك، كما يشرح عوكل، طرح محمد بن سلمان الرؤية الإصلاحية المعروفة باسم رؤية 2030 التي تبدو كمحاولة لإصلاح النظام الاقتصادي ولبرلته على أسس الانفتاح نحو القوى الاقتصادية العالمية، وعبر منظومة فكرية مختلفة تخرج عن سياق المنظومة التي كان الآباء يتبنونها، والذين لم يكن بإمكانهم الاستجابة للتغييرات الدولية.

ويرى عوكل أن انتقال الحكم إلى محمد بن سلمان يمثّل خروجًا نسبيًا عن التقاليد المتبعة في العائلة المالكة، لكنه ليس تغييرًا جذريًا في جوهر انتقال السلطة، خاصة في ظل موافقة مجلس العائلة الملكية. كما يرى أن هذا الشاب الطموح وُصف بالتهوّر من قبل بعض المراقبين لأنه حاول أن يخرج عن الطريقة التي كان يتخذها الملوك السابقون الذين تولوا الحكم وهم في سن متأخرة.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018