هذا ما قاله الحائزون على شهادة الكفاءة النحوية

11/11/2017

 

قبل أيام، اختتم مركز تطوير الإعلام- جامعة بيرزيت دورة في التدقيق اللغوي، شارك فيها عشرات المهتمين، وقدمها المدرب عارف حجاوي.

وهذه الدورة تنظم للعام الثالث على التوالي، وتتميز عن غيرها بأن في نهايتها امتحانًا في التدقيق اللغوي، يحصل من يجتازه على إجازة في "الكفاءة النحوية وضبط النص"، تفيد بأنه مدقق يمتلك المهارات والمعارف اللازمة لعمله.

وقد اجتاز الامتحان هذا العام ستة مشاركين، ونالوا الإجازة.

في الرابط التالي، الاختبار الذي تقدم له المشاركون:

وفي هذا الرابط، إجابات الاختبار، ننشرها جميعًا، لعل الفائدة تعمّ:

وفي الرابط التالي، الخبر المفصل حول الدورة، وصور متعددة من أروقتها:

 

"الحال" طلبت من الفائزين أن يتحدثوا حول علاقتهم بالعربية، وكيفية تطوير لغتهم، حتى تمكنوا من اجتياز امتحان متخصص وصعب.

 

إسراء لافي

لمعلمي اللغة العربية فضل في صنع العلاقة مع اللغة بشكل يتفوق على كونها اللسان الذي وُلدت به أو نشأت عليه، فمعلم يكرس مهارات التمثيل على المسرح باللغة الفصحى، وآخر يركز على مهارات الخط، وثالث متعته النحو، ورابع يطور القدرة على كتابة الإنشاء، ومهارات الإلقاء، أنا طائر يحط على هذه الأفنان زائرًا ومشاركًا، متعلمًا وشاديًا.

أما اجتياز الامتحان وخاصة بعد طول انقطاع عن النحو تحديدًا فهو مرتبط أولًا: بالعلاقة المميزة مع مادة اللغة العربية، وثانيًا: بممارسة التدقيق اللغوي الذي غالبًا ما انصبّ على علامات الترقيم وتتبع الهمزات وبعض ما نُصب أو جُر خطأً، وثالثًا: الانشداد الذي وفّرته الدورة مع المعلومات والمراجعات والمشاركة بين المشاركين، فبعض المواضيع لم أسمع عنها في مناهج اللغة التي درستها في الفرع العلمي.

أما مصادر المعلومات فمتنوعة؛ بعضها يقوم على الملاحظة كالمرور على المفردات المتشابهة في القرآن مثل: "تحرِص" و "حَرَصت"، وكتاب قواعد الإملاء وعلامات الترقيم لعبد السلام هارون، وكذلك سؤال العارفين في فنون اللغة فألجأ لشقيقي مثلًا، وتتبع النقاشات على هامش بعض النصوص من خلال حسابات بعض الأصدقاء أو المنتديات، وغيرها الكثير، وأجد راحتي ومتعتي في وضع الرحال بباب بعض الكتب القديمة كأدب الكاتب لابن قتيبة.

أما المحافظة على المهارة، فتكون بعدم الشبع أو الارتواء، وما دام هناك ما خفي في فنون اللغة، فلا بد من مواصلة البحث والتعلم، والكتابة المستمرة، وتمرير المكتوب إلى من هو أدرى بفكرة النص ومبناه، ومن اكتفى قل زاده، ومن سعى لم يخلُ وفاضه.

 

عيسى رشماوي

في المدرسة، تستطيع الجزم، إن كنت تحب اللغة العربية كمادّة تدرسها قسراً أم لا، ويمكن، على الأقل، أن تحسّ بانجذابٍ أو تنافرٍ بينكما خلال الصفوف المتوسطة، وهناك إمّا أن تُبنى العلاقةُ أو تُهدم للأبد، فلست أذكر شخصاً كره هذه المادّة صغيراً وأحبّها "على كَبَر"، ولا حتّى ما ندر.

أمّا أنا، فعشقتُها، يمكن أن يكون ذلك لأنني كنت أبرع في إملائها ونحوها منذ الصغر، ما جعلني أتحدّث عنها كثيراً لكي أنتهز الفرصة وأقول في السياق: "آه، اللغة العربية، علاماتي فيها كاملة"، جملة تشبع غروري، تترافق مع ضحكة مصطنعة قصيرة تصل بهذا الغرور إلى القمّة. اعذروني، فقد كنت صغيراً، لن يؤذي غروري أحداً.

رافق هذا الغرور حبّي للعربية، فكبر معها ومعي، وسيطرتُ عليه ليتحوّل من غرور ساذج إلى بعض المفخرة، فاستخدمتها بانخراطي في العمل النقابي والسياسي بجامعتي بيرزيت، لا سيّما خلال مناظرةٍ انتخابية خُضتها بشغف، ونمّيتها لاحقاً من خلال مهنة الصحافة الّتي اخترتها متأخراً.

وجاءت دورة الكفاءة النحوية، واتُّهمت ومن معي من محبّي اللغة بأن ما نفعله أحياناً بتصحيح أخطاء غيرنا هو محض "هوس"، وشخصيّاً أرى الوصف ثقيلاً علينا، فنحن لسنا مهووسين، إننا فقط "عشاقٌ للّغة"، والعاشق، يا قارئ النص، ذكيٌّ إلّا مع عشيقته، ومنطقيٌّ إلّا مع محبوبته، والأهم من ذلك، فهو رزينٌ إلّا بين أحضان خليلة سهره.

وأخيراً، ما جعلني أستغرب أكثر، أن التّهمة عادة يلازمها دفاعٌ يُناقضها، إلا أنني تعلّمت أن أفضل طريقةٍ للدفاع عن تهمة الهوس باللّغة، هي التعلّق بها أكثر، فيكون "على الأقل" هوسك على حق، لا يُخطئ.

 

أسيل دزدار

لم أكن متفوقة باللغة العربية في أغلب صفوفي الدراسية، ولكنني في صفّيْ الحادي عشر والتوجيهي أصبحت كذلك. كيف؟ أدركت ببساطة أثناء الدراسة أن النحو في اللغة العربية، ما هو إلا أمر "مَنْطَقَةِ ما يقال".

كنت أقرأ الجملة وأفكر بحيثياتها من ناحية ما هو الفعل، ومتى حصل، ومن قام به، وعلى من وقع. بعد ذلك انتقلت إلى ما هو أصعب، كيف حصل الفعل وهو "الحال"، ثم لماذا وقع وهو "المفعول لأجله"، وهكذا.

مَنْطَقْتُ اللغة العربية في المدرسة وفي جامعة بيرزيت أيضاً، ضمن مواد اللغة العربية 1 و2 المفروضتين على طلاب الجامعة، ومن هنا بدأت تتراكم اللغة العربية في عقلي، مروراً بالأعداد فالأخطاء الشائعة فالإملاء.

إلى هنا، كان التراكم دون تطبيق قاسٍ ودقيق، ولكن هذا التطبيق حصل في مواد التخصص الجامعي. ففي تخصصي، وهو الإعلام، هناك مواد في اللغة العربية تعيد ما تناولته سابقتها ولكن بشكل أعمق، وذلك عن طريق دراسة اللغة الصحافية المستخدمة في وسائل الإعلام بأنواعها. هذا ما فعلناه في مساق "قواعد لغة الإعلام" مع الأستاذ ناصر الدين أبو خضير. وأصبح الموضوع ذا مستوى أعلى عندما دققنا رواية مع الأستاذ علي مناصرة في مساق "لغة الإعلام"، ما يعني التيقظ الدائم في كل كلمة. وغير ذلك، فكنّا نشكل نصوصاً إخبارية طيلة المحاضرة التي تصل إلى 4 ساعات، نرصد الأخطاء ونصححها، ونعرب الجمل. 

غير الجامعة، فإنني قرأت القرآن كثيراً، وبالتالي أستطيع قياس ما أقرأ من نصوص تبعاً له، وتحديدا حركات أواخر الكلمات. فعلى سبيل المثال، يلعب القياس دورا كبيرا في الممنوع من الصرف، قد ننسى قاعدة ما ولكن يقظة الأذن وموازنة ما تسمع مع ما سمعت سابقا تجعلانك تدرك الخطأ أو الصواب، وهذا يتطلب ذاكرة قوية أيضا لا تنسى ما مرَّ عليها سابقا.

كما أن عملي كمذيعة يدفعني إلى تشكيل كل الكلمات التي أقرأها على الهواء، ما يعني أنني سأرجع للإنترنت او لأستاذ أو لزميل عندما أشك في حركة كلمة ما، إن لم ألتف على حركة الكلمة بإعادة صياغة الجملة. والقصد هنا أن تقوية اللغة لا يمكن أن تكون إلا بممارستها.

 

نهاد أبو غوش

أعتبر نفسي عاشقا للّغة العربية، أستمتع بجمالياتها وغناها، ويؤذيني سماع من يخطئون بها وخاصة السياسيين والخطباء والصحافيين. ومع أني أنهيت الثانوية منذ نحو أربعة عقود، فقد حافظت على صلتي الوثيقة باللغة: قراءةً وكتابةً، ثم متابعةً لدروس أبنائي.

سمعت عن دورات الكفاءة النحوية منذ بدئها، أحببت المشاركة لكنّ شيئا من الخجل راودني، فهذه دورة للشباب والخريجين الجدد، وأنا على أبواب التقاعد، والمثل الشعبي عن الذي شاب والكتّاب حاضر بقسوة، لكن تشجيع الزملاء في مركز تطوير الإعلام بدّد التردد، فالتحقت متحمساً. وما زاد الأمور تشويقاً هو مشاركة ابنتي ريتا وتشجيعها.

الدورة كانت مفيدةً جدا، ومع مدرّب متميز على المستوى العربي لا المحلّي فقط، فهي تساهم في تعزيز معارفك التي تكتسبها أحيانا بالذائقة والقياس، وتلفت انتباهك لنقاط ضعفك، والتفاعل مع المدرّب والمشاركين يضفي متعةً على الفائدة.

لديّ قناعة راسخة أن لا كبير على العلم والتعلُّم، لا من حيث السنّ ولا العلم ولا القدر، ولو أتيح لي فسأشارك في أي دورة، سواء في حقوق الإنسان أو اللغة الإسبانية، وحبّذا لو كانت مجّانية.

ثم إن اللغة ركن من أركان هويتنا الوطنية، ووعاء لها. وهويّتنا مستهدفة من قبل الاحتلال كما هو وجودنا مستهدف، وإتقان اللغة يفتح أمام المرء آفاقا واسعة لاكتشاف الإبداع. وأنصح زملائي والدارسين بأن ينمّوا لديهم الحسّ النقدي عند القراءة والاستماع. وأخيراً، فإن لغتنا وقواعدها ليست طلاسم معقّدة بل هي نظام من المنطق والقواعد الجمالية.

 

سوسن مروّة

تجربتي في التعامل مع اللغة العربية لصيقةٌ بثقافتي التي اكتسبتها من عائلتي ومجتمعي، وأنا أنتمي لجيلٍ شهد اعتناءً كبيراً باللغة العربية وبالأدب، سواء في المنهاج المدرسيّ أو في الأوساط والحلقات الثقافية. بدأت باكراً بقراءة كل ما وقع بين يديّ من قصص المغامرات والتحرّي التي انتشرت بكثرة في الستينيات، وكانت أولى القراءات التي تركت أثراً فيّ رواية "طفولتي" لمكسيم غوركي، التي كانت هدية عيد ميلادي الحادي عشر. تلك كانت فاتحة نهمي لقراءة الروايات والكتب بكل صنوفها ورافقني في تلك الفترة من عمري مؤلّفون وكتّابٌ ذوو نصوص جميلة ولغة قوية مثل ميخائيل نعيمة وأمين نخلة وجبران خليل جبران وتوفيق يوسف عواد وإلياس أبو شبكة وبدر شاكر السياب والجاحظ وكثيرين غيرهم ممّن شكّلوا ذائقتي الأدبية واللغوية ووجّهوها نحو مزيد من الإبحار في اللغة والأدب. لا أقرأ كثيراً في كتب النحو، رغم اعتمادي كتاب "النحو الوافي" لعباس حسن مرجعاً أساسياً، ولربما ساهمت قراءتي الدائمة للروايات وكتب الفلسفة والشّعر في تمكّني من اللغة العربية الصحيحة إلى حدّ كبير. كما أنني أحرص على تجنُّب قراءة أيّة رواية، عربية كانت أم مترجمة، غير مصوغة بلغة عربية سليمة. علّمتني سنوات خبرتي في القراءة أن أتسامح مع خطأ بسيط في النحو إن عوَّض عنه ثراءٌ في المعنى وإغناءٌ في المضمون، لكني أعتقد أنّ المعانيَ تتجلّى أكثر ما تتجلى بواسطة لغةٍ جميلة الصوغ سليمة النحو.

 

ملك عفونة

حين يتعلّق الأمر بالكتابة، يستهويني الخوض في المواضيع التي غالبًا ما تتعلّق بالصّياغة وطبيعة اللّغة وبُنية النّصّ، والعلاقات الصّوتيّة الفاعلة بالخفاء، والاختلافات الوظيفيّة التي تعبث فيها الأفعال المتقاربة بالمعنى، وكيفيّة تناسله من المسافات التي تُرتّب الكلمات فيها نفسها حين تختار أن تتفاعل بطريقة لا بأخرى. هذه المرّة الأولى التي أجدني أتحدّث فيها عن فعل الكتابة من باب النّحو والإملاء، أمرٌ لا أحبّه ولا أفضّل الخوض فيه، رغم حرصي على إتقان لغتي وعملي محرّرةً للّغة العربيّة، وما يستلزمه ذلك من بحثٍ متواصل، وأحيانًا محموم، من أجل الحفاظ على مستوىً يليق بثقة النّصّ الذي يسلّمني جسده، وأقول جسده لأبيح لنفسي الاحتفاء بأناقة اللّغة، التي أعتبرها الأمر الوحيد الذي يبرّر هوس المدقّقين بتصحيح الأخطاء النّحويّة في المواضع التي –ولا بأس إن اعترفنا بذلك- لا تؤثّر إن وُجدت فيها على المعنى، الذي أصبح مع التّقادم أقلّ حاجةً للتفرّد ممّا كان عليه حين كانت العربيّة صنعةَ أهلها وموضوع إعجازهم.

إذًا، ولئلا يصبح تنازلي عن عدم الخوض في أهميّة النّحو خارج سياقاته الفلسفيّة كلّيًّا، سأخزُ جلد هذه الفقرة بشوكةٍ صغيرة ليظلّ مستيقظًا في وعيها أنّ حاجتنا لتدقيق المنطق والأخلاق والمعنى في نصوصنا أهمّ في هذه المرحلة من تدقيق سلامة اللّغة، دون أن ينتقص هذا التّفضيل من مكانة النّحو قيد مرتبة، إلّا أنّ من المؤلِم تجميلَ الخواء المعنوي، والمرور على النّصّ كما لو أنّ التّدقيق اللّغوي سيخفّف من فداحة المغالطات المنطقيّة فيه، متغاضين عن أثره في نحت أدمغة القرّاء نحتًا بطيئًا ناعمًا نحو ضياع الحساسية النّقديّة من مجتمعٍ بأكمله.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018