مسيرة السلام النسوية: سجال حاد بين فكرة اختراق الآخر وتهمة التطبيع

 

 

 

في وقت تنادي فيه حركة مقاطعة إسرائيل BDS برفض كافة أشكال التطبيع مع المجتمع الإسرائيلي، خرجت مؤخراً بعض المظاهر التي عارضت ذلك، كان آخرها "مسيرة السلام النسائية" في مدينة أريحا بين نساءٍ فلسطينيات ومستوطنات إسرائيليات، والتي لاقت غضباً كبيراً لدى أوساطٍ من الشعب الفلسطيني، باعتبارها أحد أشكال التطبيع، في حين اعتبرها بعضٌ آخر أنها في إطار الاشتباك السياسي والفكري مع المحتل. 

"الحال" التقت عدداً من الآراء مستوضحة هذه المواقف.

المنسق العام للجنة مقاطعة إسرائيل محمود النواجعة رأى أن مسيرة السلام النسائية تعكس مدى ضعف الجهات التطبيعية والمعنية بالتطبيع في الشارع الفلسطيني، وهذا ما كان واضحاً في أخذ نساء فلسطينيات لمثل هذه الأنشطة دون إعلامهن بفحوى المشاركة، على حد قوله، لذلك هناك العديد من النساء انسحبن من هذه المسيرة على الرغم من أن عدد الفلسطينيات المشاركات كان قليلاً جدّاً، ما يدل على الرفض الشعبي للتطبيع واللجان التطبيعية التي تقوم بمثل هذه المسيرات.

 

منتخب الأحلام الإسرائيلي

وعن قيام إسرائيل بتجنيد 6 فلسطينيين من الداخل الفلسطيني لمكافحة حركة مقاطعة إسرائيل BDS، قال نواجعة، إن "هذا جزء من محاولات الاحتلال لوقف حركة المقاطعة، ولكن هذا يدل على مقدار الضعف والرعب لديهم، الذي وصل لدرجة تجنيد أشخاص". وأضاف: "من الواضح أنهم فقدوا عقولهم، في محاولة مواجهة حركة ضخمة جدّاً تعتبر من أقوى حركات التضامن في العالم". مبيناً أن مثل هذا الموقف لا يمكن أن يؤثر على حركة بضخامة طرح حركة المقاطعة في مواجهة نظام الابارتهايد، وهذا لا يذكر إلا بكل محاولات الأنظمة البائسة كنظام الابارتهايد في افريقيا.

 

اختراق للمجتمع الفلسطيني

وعبر منسق القوى الوطنية والإسلامية عصام بكر عن "خطورة اتساع نطاق عمليات التطبيع والمحاولات الإسرائيلية لاختراق المجتمع الفلسطيني بمسمياتٍ مختلفة"، وبين بكر أن "الانجرار نحو مربع التطبيع تارة بمشاريع التبادل الثقافي والشبابي وغيرها، ما هي إلا محاولات للتغطية على جرائم الاحتلال الاسرائيلي لتجميل صورتها أمام المجتمع الدولي، واظهار صورة أن الشعب لديه علاقات "شبه طبيعية" مع دولة الاحتلال، إلا أن العلاقة الطبيعية معه نراها في عمليات القتل والإذلال على الحواجز واتساع نطاق الاستعمار والتهويد وغيرها من الجرائم المرتكبة".

وعن "مسيرة السلام النسائية"، بين بكر أن هذه المحاولات مرفوضة، وهناك من يختبئون وراءها ولا يعلمون مضمون الجهات الإسرائيلية منها، مضيفاً "ان هناك عدداً من النسوة تم الاتصال بهن للمشاركة في المسيرة، وتبين أنه تم الحديث معهن عن رحلة للحديقة الإسبانية، ولم يتم التطرق الى لقاء تطبيعي، وفوجئن بعد النزول من الباص أن هناك العديد من نساء المستوطنات المعروفات بمواقفهن الرافضة للحقوق الفلسطينية". 

وبين بكر ان "المعيار الذي نص عليه تعريف المقاطعة في تعريف التطبيع بتحريم أي لقاءات مع اي مستوى اسرائيلي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، إلا بعد اعتراف هذا الطرف بالحقوق الوطنية المنصوص عليها بالقانون الدولي"، مشددا على انه "دون ذلك ستبقى أي محاولات او علاقات للتواصل مع الاحتلال الإسرائيلي او مؤسساته تنطوي على خطورة كبيرة من شأنها تجميل صورة الاحتلال التي تتعرى امام العالم على أنها دولة تمارس جرائم حرب وإرهاب دولة منظماً بحق الشعب الفلسطيني، والعلاقة الطبيعية معها هي بمحاسبتها ومعاقبتها على جرائمها من قبل المؤسسات الدولية كافة، وفرض العقوبات عليها حتى تمتثل للقانون الدولي".

 

تجميل صورة الاحتلال

وفي السياق ذاته، بينت منسقة لجنة المقاطعة في جامعة بيرزيت سامية البطمة، أن هذه المسيرة النسائية هي "مسيرة تطبيعية، لأن الأسس التي قامت عليها لا تأخذ بعين الاعتبار أن علاقتنا مع الإسرائيليين غير متساوية، كوننا شعباً واقعاً تحت الاحتلال وهم المحتلون"، مشيرة الى أن "الاساس الذي قامت عليه هذه المسيرة هو "بناء جسور السلام"، إلا ان الشعب الفلسطيني لديه تجربة 40 عاماً مع عملية السلام التي لم تعطِ النتيجة المرجوة وهي إنهاء الاستعمار واشكاله. وأن إسرائيل تستخدم هذا النوع من الفعاليات لتبين للعالم انهم والفلسطينيين يعملون على إنشاء السلام، لذلك لا حاجة لتدخل دولي، كما انها تستخدمها لتخفيف الانتقاد لممارسات الاحتلال الدولية وتجميل لصورتها، وهذا ليس من مصلحتنا".

وأوضحت بطمة، انه "لا يوجد لدينا إشكال مع الإسرائيليين اذا كان السبب انهاء الاستعمار، إلا أن هذه النشاطات تظهر اننا والإسرائيليين في خندق واحد، لكن على ارض الواقع هو العكس تماماً، لذلك نحن نرحب بالإسرائيليين المستعدين لمناقضة الصهيونية وذلك بتفكيك منظومتها ككل".

 

لجنة التواصل.. اشتباكٌ سياسي وفكري وليس تطبيعاً

وقال نائب رئيس لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي إلياس زنانيري إن هذه المسيرة جاءت ضمن حراك شعبي لا علاقة للجنة التواصل به أبداً، انما المجموعة النسائية التي بدأت هذه النشاطات قبل عام ونصف العام توجهت مرة أخرى إلى لجنة التواصل وتمنت أن تكون هناك مشاركة نسائية رمزية، بمعنى أن تشارك فلسطينيات وان يكون هناك موقف فلسطيني يطرح امام المستمعات، وبالتالي صدرت الموافقة الرسمية وتم توجيه رسالة باسم الرئيس محمود عباس موجهة إلى المحتشدات اللواتي وصل عددهن إلى حوالي 15-20 الف، ورفض زنانيري ما تم تداوله عن عدم معرفة النساء بأنها مسيرة مع الطرف الإسرائيلي، وأعتبر ان هذا مجرد سوء تفاهم قد حصل وكان بالإمكان تجاوزه، حيث انه تم الطلب من النساء المشاركة بمحض ارادتهن دون ان يكون هناك أي تشويش. 

واضاف زنانيري: "في نهاية المطاف كانت الفعالية تحت سياسة الاشتباك السياسي الفكري الحقيقي مع الاسرائيليين وليست تطبيعاً، لأن التطبيع عملياً هو العلاقة الناشئة بين شرائح فلسطينية واسرائيلية تنطلق من اساس احتلال دائم وأن من الممكن التعايش ونسج علاقة طبيعية معه، وهذا الكلام مرفوض ولا يقبل به أي فلسطيني، بينما الاشتباك السياسي هو أن تقارع الاسرائيلي الحجة بالحجة وان توضح له الموقف الفلسطيني الذي لا يمكن ان يقبل بأقل من دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة".

وبين زنانيري أن لجنة التواصل هي لجنة رسمية منبثقة عن منظمة التحرير وحركة فتح، شكلها الرئيس محمود عباس في 2012، ومهمتها الاشتباك والحوار السياسي والفكري مع مختلف شرائح المجتمع الإسرائيلي لإيصال رسالة واضحة للإسرائيليين عن موقف الفلسطيني المبني على ضمان السلامي، بناءً على برنامج السلام الفلسطيني والبرنامج السياسي لمنظمة التحرير القائم على حل الدولتين، دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على حدود 67 وعاصمتها القدس الشرقية، وهذا ما لا يدركه الإسرائيليون كونهم يستمعون لوسائل إعلام واجهزة اسرائيلية تخدم السياسة الراهنة للحكومة الاكثر يمينية في اسرائيل منذ قيامها قبل 70 عاما، مبيناً أن اللجنة تحاول الوصول إلى المترددين الإسرائيليين الذين تصل نسبتهم إلى حوالي 40% والذين يتأرجحون بين اليمين واليسار حسب الظروف العامة، لإيصال موقف فلسطيني واضح يساعد على فهم أن هناك شريكاً فلسطينيّاً على الجانب الآخر مستعدّا للتوصل لاتفاق لإنهاء الصراع يرضي الجميع، شريطة أن يكون على اساس الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة.

 

  • خريجة حديثاً من دائرة الإعلام في جامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018