لين في الأرجاء

 

 

"هل تمرون بحالة من الاكتئاب؟ اجلسوا لنتحدث". كتبت طالبة جامعة بيرزيت لين عورتاني هذه العبارة على لوحة كبيرة، وجلست بالقرب من مبنى القانون المكتظ في حرم الجامعة. هكذا أمضت لين استراحتها الجامعية، محاطة بدائرة من الطلاب المصدومين، منتظرة تجرؤ جلوس شخص آخر على الكرسي المقابل لها، متأملة أن تنشر التوعية حول مرض طالما حرم الحديث عنه في المجتمع الفلسطيني. 

وعلى الفتاة التي لم تتجاوز الثامنة عشرة عاماً، تطغى هالة من الصفاء، فتنشر تدفقات من الطاقة الايجابية لكل ما يحيط بها. ومن شعرها المجعد الطويل، إلى "شروالها" الملون الواسع، تشع الفتاة بتميز يعتبره البعض غرابة أطوار. 

وبينما انتُقدت لين من كثيرين، لم يغير هذا من طبيعتها المرحة وابتسامتها العريضة، الممتلئة بالأمل. 

 

"هل تمرون بيوم سيئ؟ اجلسوا لنتحدث"

بدأت الطالبة لين نشاطاتها المشبعة بالإبداع في ساحات مدرستها، تحمل لوحة شبيهة كتب عليها "هل تمرون بيوم سيئ؟ اجلسوا لنتحدث". لاقت الفكرة قبولا، ما حثها على نقلها الى مكان لم يألفها اغلب الناس فيه. ولكنها لم تلق ردة فعل مشابهة بالجامعة، حيث رمقها بعض الطلاب بنظرات ساخرة، وغيرهم بنظرات مليئة بالإعجاب.  

 

كسر حاجز الخوف من الأمراض النفسية

تهدف لين من طريقتها هذه الى التطرق للمواضيع الحساسة، ومنها الامراض النفسية، تقول لـ "الحال": "ينظر الناس لهذه الامور كحالة نفسية أو جنون أو يرون المرض النفسي عاراً". وتعترف، وهي طالبة قانون في جامعة بيرزيت، انها لا تستطيع معالجة المرضى النفسيين، لكنها تطمح الى تشجيع النقاش والحوار عن هذه الأمراض. 

وتضيف الطالبة عورتاني: "الهدف هو تحفيز الناس على التساؤل والاستفسار عن الامراض النفسية، ليتعلموا أكثر ونسلط الضوء على موضوع حساس ومحرم في مجتمعنا". وبينما لم "يفضفض" الكثير من الطلاب، استفسر عشرات منهم عن الغرض من مشروعها، محققة بذلك هدفها لنشر التوعية عن الامراض النفسية بعد يومين من "اليوم العالمي للصحة النفسية".

ولم تتزعزع عزيمة لين وارادتها حين انتقدها الناس على الفيسبوك بعد نشر فيديو عن مشروعها، فأكدت انها تحررت من قيود المجتمع ولم تعد تهتم بنظرة الناس اليها. وتمحورت اغلب الانتقادات حول الشروال الذي لبسته او حول ما اسماه البعض "سخافة الفكرة"، واشارت الى كونها "انتقادات ناتجة عن جهل المعلقين بالفكرة وتعليقهم وتقييمهم السطحي للنشاطات الشبابية. 

وعلى جانب آخر من القصة، عبرت الطالبة عورتاني عن امتنانها لمن وجهوا لها نقداً بناء وسليماً. ووجدت كمية هائلة من دعم علماء نفس عرضوا خدماتهم لمساعدتها في فكرتها الأخيرة، كما علقت مرشدة الجامعة على الفيديو مشيرة إلى دورها في مساعدة الطلاب المصابين بالأمراض النفسية. 

وتجد لين الراحة لكونها أُذناً تستمع لمشاكل الناس، وكتفاً ليستندوا عليه، فتقول: "كتير حلو إنه تساعد الناس، لانه عدد كبير منهم ما بلاقوا حد يحكوا معه".

 ولكن، بعيدا عن طبيعتها المشرقة ولبسها اللافت، تصف لين نفسها بالانطواء والانعزال. وتعبر عن مشاعرها عبر الشعر الذي تشاركه في "سرد"، وهو حدث يقام شهريا في مدينة رام الله، يوفر مساحة ومنصة تعبير للكتاب والشعراء والفنانين. بالنسبة لها، من المهم ان تعبر عن نفسها بطريقة غير مضرة لمن حولها. كما تمتلك لين صفحة على الفيس بوك بعنوان "لين في الأرجاء"، تطمح إلى أن تنشر صورا وتجارب وأفكاراً مع كل الناس.

 

"اقرأ لمدة من الزمن واحصل على قطعة من الكعك مجاناً"

وفي الأسابيع المقبلة، ستعمل لين على مشروع جديد للتشجيع على القراءة بعنوان "اقرأ لمدة من الزمن واحصل على قطعة من الكعك مجاناً". ولم تحدد لين موعداً حتى الآن لإطلاق هذا النشاط، ولكنها تؤكد أنها ستقدم الكعك المجاني والطازج لكل من يقرأ بعض الصفحات من الكتب التي ستضعها في الجامعة. 

 

"بين الفرح والترح"

تدافع لين عن نشاطها الشبابي غير المعتاد بالقول: "الفكرة المتداولة في جيلنا هي انه المجتمع بحددنا وما بسمح لجلينا نتصرف ونقترح، واريد ان اقنع الناس انه احنا صرنا المجتمع مش الاجيال الكبيرة السابقة. وفكرك اليوم هو الذي سيحدد حياتك المستقبلية، وهو الذي يحررك او يكبتك".

لين لم تختلف كثيرا عن الفتيات والفتية في عمرها، فهي ايضا خافت من نظرة الناس إليها، خافت من ان يحدقوا في بثورها، وخافت من رأيهم بشكلها. ولكنها كشفت الغطاء عن فكرة تجاهلناها، وهي ان التخلي عن التوقعات المجتمعية، تعني الحرية الكلية. 

باختصار، فعلت ما لم نتجرأ على فعله وأصبحت الشخص الذي تريد ان تكونه من دون ان تشعر بالحاجة للتبرير لمن حولها. 

تتابع لين سرد ما تهجس يه وتعايشه: "بنبسط من جوا بس يكون عندي سلام داخلي، لأنه كتير مرات صعب الواحد يلاقي لحظة فرح. بس لما  بكون راضية عن حالي ومتصالحة مع نفسي بنبسط وين ما بلاقي حالي".

لين لها كيان مختلف، غير مألوف وغامض. فهو خليط من القاسي والهش، الحلو والمالح. هي مزيج من البراءة والثقة، ترسم لكل من يراها صورة واضحة، وعدسة خاصة ليراها من خلالها. 

 

  • طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018