في سجون غزة.. الخلوة الشرعية من طرق الإصلاح

 

"لم أكن أعلم معنى القسوة، والغربة والخوف، وتحمل المسؤولية إلا عندما سُجن زوجي. منذ ذلك الحين وأنا أطلب زيارته وأذهب برفقه أطفالي لرؤيته باستمرار، وفي إحدى المرات طلب منى "الزيارة الشرعية". في البداية، ترددت كثيراً نظراً لصعوبة الطلب، ولكن بعد إلحاحه المستمر، وافقت على مضض. كان الأمر يسبب لي الكثير من الحرج، لأن كل فرد يعمل في السجن يعرف سبب قدومي. كانت فرحتي مكتومة عندما أنجبت أصغر بناتي "سلمى" لأن والدها لا يزال في السجن وستكبر وهو بعيد عنها". هكذا تحدثت لمراسلة "الحال" الثلاثينية "إيمان"، وهذا اسم مستعار، متجرعةً غصاتٍ أصابتها، محاولةً تلخيص عذاباتها التي أرهقتها بسبب غياب زوجها الدائم، الذي يقضي محكوميةً عاليةً في السجن.

وإيمان واحدة من عشرات الزوجات في قطاع غزة، اللواتي وجدن أنفسهن محاصراتٍ داخل دائرة تُجبرهن على تحمل مسؤولية أسرهن وإكمال المسير للحفاظ على عوائلهن من التفكك والتدمير بسبب جرمٍ ارتكبه رب الأسرة، رغم اختلاف الأسباب، حيث أجبرت نفسها تحت ستار "الحلال والعيب وحق الزوج" ان تقيم علاقة حميمة مع زوجها داخل أسوار السجن، ولا تستطيع إحداهن الشكوى أو الاحتجاج.

تطرح المؤسسات الإصلاحية "السجون" في قطاع غزة، العديد من برامج الرعاية الاجتماعية التي تخصص اهتمامها ليس للسجين فقط داخل الإصلاحية، بل تولي الاهتمام الأكبر به من الجانب الاجتماعي، وذلك بإيجاد برامج تدعم السجين وعائلته، على مختلف الجوانب، كي يتخطى العقبات الاجتماعية والنفسية والمادية، والعمل على مساعدة الأسرة على التماسك وعدم انهيارها في ظل غياب الأب الدائم.

تقول الأخصائية سها حماد: "يجب توجيه برامج الدعم النفسي لزوجات النزلاء بسبب الضغوطات التي يتحملنها من المسؤولية بشكلٍ كاملٍ، ناهيك عن نظرة المجتمع لهن ولأطفالهن"، وتعمل المؤسسات الإصلاحية على التخفيف من الضغط النفسي الذي تمر به عائلات النزلاء من رحلات ترفيهية تجمعهم بوالدهم ومشروع "الخلوة الشرعية" الذي ساعد المرأة كثيراً باستعادة شعورها بأنوثتها ودورها الطبيعي كامرأة تكمل الرجل وليس كمعلَّقة ومبعدة عن زوجها تفقد أجزاءها في كل مرحلة نفسية سيئة تمر بها.

ولتوضيح الزيارة أو "الخلوة الشرعية"، تقول حماد: "هي أحد البرامج التي ساعدت على التئام البنية الأسرية "للنزلاء" وعوائلهم، حيث سمحت الزيارات العائلية الخاصة بالتواصل بين المسجونين وزوجاتهم واستمرارية العلاقات الزوجية، وحافظت على العلاقات الثنائية بين الزوجين من الانهيار والتفكك والانحراف، وألغت الفتور الجنسي بين الزوجة وزوجها السجين والعكس، كما أن نظام "الخلوة الشرعية" طبق في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، حيث كان يُفرج على السجين لزيارة زوجته ومن ثم يعود إلى السجن مرة أخرى.

"أم أيمن"، وهو اسم مستعار أيضاً، من مخيم النصيرات، زوجة سجين، ارتكب جرماً جنائياً، تقول: "طالما أوقع زوجي نفسه في المشاكل، وبعد سجنه، طلب أهلي الطلاق منه، لكنني رفضت ذلك لتفكيري بمصير أطفالي وماذا سيحدث لهم؟ وكيف ستصبح حياتهم؟ وأي تشتت وقهر سوف يلدغهم عندما يقابلهم المجتمع بالنبذ والجحود لأن والدهم سجين وأمهم "مطلقة"، تُكمل أم أيمن متجرعة أنفاسها الثقيلة: "كنا نزوره في السجن في غرفةٍ صغيرة ولمدة قصيرة أنا وأحد أبنائي، وفي إحدى المرات طلب مني "الزيارة الشرعية"، إلا أنني رفضت ذلك وبشدة، لأسباب كثيرة، منها أنه كان السبب فيما حدث لي ولأطفالي ومن نظرة المجتمع إلينا، ومن تعامل من حولنا معنا، إضافة إلى أن ذلك الأمر محرج للغاية.

"الحال" حاورت إياد البزم المتحدث باسم وزارة الداخلية في قطاع غزة، للسؤال عن مشروع "الخلوة الشرعية) للنزلاء والهدف منه، فقال: "يبدأ الاهتمام بالنزيل- السجين منذ صدور الحكم عليه ودخوله المؤسسة الإصلاحية المعنية بتنفيذ الحكم: السجن، وتمضية مده حكمه فيها، وهناك يستعد النزيل للدخول في مرحلة الإصلاح التدريجي والتقويم لسلوكه، ليرجع مواطناً منتجاً وأميناً داخل مجتمعه من خلال ما توفره هذه المؤسسات الإصلاحية من برامج جديدة تساعده على التكيف مع واقعه الجديد كمحكوم عليه، وتهيئته نفسياً لتقبل العقوبة، كما أن استقرار أسرة السجين يساعد على استقرار نفسيته ودفعه للتفكير بشكلٍ أفضل من أجلهم، كونه سيغيب فترات طويلة بعيداً عنهم.

وحول مشروع "الخلوة الشرعية" يقول البزم: "تم تطبيق مشروع (الخلوة الشرعية) منذ ثلاث سنوات، وطلب الخلوة يُقبل لمن تزوج قبل دخوله السجن وحكم بمحكوميات عالية، ولا يُمنح لأصحاب المحكوميات المخفضة، حيث يقدم النزيل طلباً إلى إدارة السجن يُعبر فيه عن حاجته للخلوة الشرعية ويحدد فيه الوقت، وبعد ذلك تُدرس حالته فإذا كانت مدة محكوميته عالية يتم قبول الطلب بعد التأكد من سلوكياته وحسن سيره داخل المؤسسة الإصلاحية، من ثم يتم التواصل مع زوجة السجين والتنسيق بينهما، حتى موعد "زيارة الخلوة" واصطحابها إحدى الوالدتين، ويتم الأمر وفق إطارٍ منظمٍ ومضبوط"، موضحاً أن الخلوة الشرعية تتم في مكانٍ مهيأ لها، حيث تشمل غرفة النوم بالإضافة إلى صالة ومرافق تلزم النزيل في خلوته الشرعية، وتمنح على فترات متباعدة، كما أن هذا الحق يُمنح لكافة النزلاء على اختلاف جرمهم والطريق الذي أودى بهم إلى المؤسسة الإصلاحية.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018