صايل دراغمة.. خيّال الغور

 يتباهى صايل علي دراغمة بعالم الخيل والفروسية، الذي ورثه عن والده وجده ونقله إلى أولاده وأحفاده، فيما لازمه أكثر من 50 عامًا.

يسرد بلحية كثيفة مخضّبة بالحناء: بدأت مع الخيول وأنا ابن ست سنوات، ويومها دّربني وشجعني والدي على ركوبها وتطويعها والاهتمام بها، وكان يقصّ لي حكاية جدي وأسلافه الفرسان، ويتسابق معي في أراضي الأغوار وطوباس الواسعة.

 

فرسان الأفراح

يتابع دراغمة وهو يتفقد حصانه الرمادي (وضاح): كنت أتنقل من بيتنا في خربة الدير (دمرها الاحتلال عام 1967 وكانت الموقع الحدودي الأخير مع نهر الأردن) وأصل الضفة الشرقية، ولا أنسى  كيف كنا نتسابق أمام  العروس القادمة على هودج (مكان مغطى على ظهر جمل)، ونتبارى على عبور مياه الشريعة (نهر الأردن) والسباحة مع الخيول.

ووفق الراوي، الذي أبصر النور عام 1954 فإن والده كان خيالًا بارعاً حتى وفاته عام 1989. أما جده زامل، فظل يركب الفرس لحين وفاته عام 1960، وهو ما ورثه عن والده قبل سنوات طويلة، وكان شقيق جده عبد (أو شقريحة كما لقّبوه) فارسًا، واستطاع الهرب من سجن شطة على فرسه التي ربطها الجنود الإنجليز بسلاسل في يديها، فيما كان أعمامه: مصطفى، وحافظ ويوسف خيّالة نقلوا ما أحبوه لأولادهم.

يوالي دراغمة: إخوتي 11، ستة منهم خيالة، كنا نتسابق معًا، وكانت هناك عادة الجري في السهول خلال الأعراس، وأذكر جيدًا الفرسان الذين استقبلوا الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال الذي زارنا قبل النكسة. ومن يطلب اليوم منا فرسًا لزفة العريس نقدمها مجانًا، ويعمل أولادي في بيع مستلزمات الخيول.

 

"عنتر" بلا "عبلة"!

ويضيف: خرجنا مرة من الصف الخامس، وذهبنا إلى بلدة المشارع قضاء إربد، وأحضرنا عروسًا للشاب حسين الطوباسي، وسبقت فرسي كل الفرسان، وكنت أسمي ركوبتي السريعة والجميلة (غزالة)، وقد درّبتها على اللحاق بالغزلان.

يواصل دراغمة: تنقلت بين خيول وأحصنة كثيرة، ومنها: غزالة، وسلمى، والعبيّة، وشمس، وكريمة، ومرح، وفرح، ووضاح، وعنتر، وشلهوب، وشهاب، وضحى، وكل اسم كان يدل على صفة حاملة، لكنني لا أنسى (غزالة) التي لم تتكرر بسرعتها وجمالها، فلم يصدف أن سبقها أحد.

يتابع: حرصت على تنظيم مسابقات لأبنائي، وكنت أعطي الفائز سرجًا جميلاً، ونقلت لأولادي: علي، ومحمد، وأحمد، وعبد الرحمن، الفروسية، وبدأ أحفادي: أحمد (10 سنوات)، ومحمد (8)، وريان (6) بركوب الخيول.

 

مربط الفرس

وحسب دراغمة، فإن عالم الخيول جميل، فالحصان الذكر يغدر ويحقد، أما الفرس (الأنثى) فأكثر وفاءً لصاحبها، وفي قاموس الخيّالة، هناك أدوات و"إكسسوارات" للخيول، منها: السرج، والعويّنات (للعيون)، والرّسن (من الجلد الطبيعي المربوط بحلقات معدنية)، واللجام (للفم) الذي يقسم إلى: "العذّار" و"الشّوبند"، وهما مصنوعان من صوف الغنم، وهناك "العنان" الذي يساعد على تحكم الفارس بفرسه خلال المسير. فيما تُطعم الخيول الحلوى والسكاكر لتدليلها، وتُزّين بالصوف والخرز، ولا تُربط الأصايل منها.

يضيف: كانت الخيل الأصلية قديمًا بألف وخمسمئة دينار، واليوم تباع  بـ 25 ألف شيقل، وأهدى الملك الأردني الراحل حسين بن طلال والدي فرسًا عام 1960، إلا أنها ماتت بعد تحميل أكياس قمح عليها.

 

"أبو ملعون"

واستناداً لخّيال طوباس، فإن الفرس تحمل 11 شهرًا، ونادرًا ما تضع توأمين. وتصلح للمنافسة والصيد والحراثة، لكن إذا ما جرى استخدامها لتحميل أوزان ثقيلة، فإنها تنفق، وحين تكسر أطرافها لا تجّبر، وأخطر ما يصيبها داء (أبو ملعون) الذي يطال الأمعاء ويجعلها تتشابك. وتحتاج يوميًا نحو 35 لتر ماء، وتستهلك علفًا وقشًا بـقرابة 30 شيقلاً. 

ويتابع: تراجعت اليوم مهنة حذو الخيول (وضع حلقات معدنية على حوافرها تتغير كل ستة أشهر)، وكان يتقنها عندنا: لقمان، وجاد الله، ومثقال أبو الملح. وتعرضت لحادث سقوط وحيد عن حصان، وكسرت يدي، وفي اليوم التالي عدت لركوب جوادي، ولم يمنعني عنه إلا المفصل الصناعي، الذي يعيش معي منذ سنتين.

ينهي دراغمة، الذي عمل نجًارا: مرضت قبل شهرين، ودخلت في غيبوبة، وأخبر الأطباء زوجتي بأن كل أجهزة جسمي توقفت عن العمل، وعجزوا عن فعل شيء، وطلبوا من عائلتي الاستعداد لدفني، إلا أن "معجزة" وقعت وأعادتني إلى الحياة، بعد ست ساعات من "الموت"، وشاهدوني أتيمّم في التراب الذي وضعته قرب السرير!

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018