جدتي السايحة

 

 

لا يرغب الأحفاد، عادة، في معرفة ما يجب معرفته خلف الصور العطرة لسِير الجدات الشريفات، ولكن بالنسبة لجدتي السايحة (السائحة)، سيختلف الأمر ونحن إزاء نموذج محلي لـ "ليليث" في ميثولوجيا الشرق القديم، التي خلقها الله مع آدم من التراب، ولكنها تمردت على سلطة آدم، وأضحت هذه المرأة الفاتنة معبودة العواصف والشياطين.

كان مقام الشيخة السايحة (السائحة) فاطمة بنت بري، يقع شرق قريتي زكريا في الهضاب الفلسطينية المنخفضة، وهو عبارة عن مغارة بجوارها شجرة سريس (أو عذقة). نحن إزاء نموذج لنوع من المقامات التي أُقيمت لذكرى قديسين وأبطال ومجاهدين وأنبياء في المغر، ووجود الشجرة جزء ضروري من بنية المقام سواء كان في مغارة أو عبارة عن بناء.

سيرة فاطمة بنت بري، قد تكون سيرة نموذجية لنساء عرفهن الشرق من مريم المجدلية، إلى رابعة العدوية، وتحولن إلى قديسات، ولكن جدتي تبزهن بالاستقلالية والتمرد مثل ليليث ابنة بلاد الرافدين.

 

في مواجهة نمرة

حكاية فاطمة بنت بري مع القطب الصوفي السيد أحمد البدوي، هي الأبرز في سيرتها، خصوصًا لدى أهل التصوف، وفي مصر تُنشد ملحمة تعبر عن تلك الحكاية، في المواسم والمناسبات، وهي نموذج مبكر من (ترويض النمرة)، وتتلخص بقراره الذهاب إلى مسكن فاطمة بعد أن زاره القطبان الصوفيان أحمد الرفاعي وعبد القادر الجيلاني وعرضا عليه عدة مفاتيح للبلاد في الشرق والغرب، فاختار مفتاح العراق ليفتحها الله عليه في دنيا التصوف.

سمعة فاطمة سبقتها إلى أحمد البدوي في مصر، كامرأة جميلة، ذات جاه ومال وقدرات، وبلغة الملاحم الشعبية فهي: "صاحبة ولاية كبيرة، ملكت سرًّا عظيمًا حتى أصبحت صاحبة تصريف فأعجبت بنفسها ودخل عليها الغرور ففتنت النّاس بجمالها وكانت بارعة الجمال جدًا ولا يستطيع أحد من النّاس أن ينظر إليها دون أن يفتتن بها، فاستعملت سر جمالها وسر فتنتها وبدأت تتصرف في النّاس، وكل ما أتاها صاحب حال فتنته وأصبح من تلاميذها، وكلما طلب أحد الزواج منها نظرت إليه نظرة فقتلته فوراً، أو سلبته عقله، وإذا لم تستطع على صاحب سرٍّ قوي أو حال كبير، جاءت إليه بالإغراء وتظاهرت أمامه بجمالها، فإذا ما نظر إليها وأعجب بجمالها تمكنت من قلبه وقتلته، وعندها الآلاف من النّاس تحت إمرتها ومفتونون بحبها". وهذا نموذج مما كتب ولا يزال يكتب عنها من مريدي أحمد البدوي، اطلعت عليه على مواقع الكترونية.

ولم يتوقف نفوذها عند هذا الحد، ولكنها تمكنت من السيطرة على الجن والمردة، وهذا نموذج نسائي من صورة الملك سليمان في الثقافتين الشعبية والدينية.

عندما وصلها البدوي، عرفته، ووصفته بفحل الرجال، وهذا مهم بالنسبة لمتلقي الملاحم الشعبية، وعرضت عليه الزواج، رغم أنها علمت أنه جاء لقهرها، ولكن لأنها تعرف قيمته قدمت له هذا العرض، رغم عروض الزواج العديدة التي قدمت لها، مشفوعة بأملاك وأرزاق الأغنياء المتقدمين، ولكنها لم تكتفِ برفضهم، وإنما كانت تنظر للواحد منهم بطرف عينها فتقتله في الحال.

البدوي الذي جاء في مهمة محددة، لم يقهره إغراؤها وما أظهرته من جسدها، ولم يقل أية كلمة، ولكنه قال في قلبه: لست أنا من تغرينه، وقبل أن يعمل لديها راعيا، وسار بنحو سبعة آلاف جَمَل تملكها فاطمة، كانت ترعى ليلا وتأتيه في النهار، واستمر صامتا راعيا لمدة ستة أيام، وفي اليوم السابع دائما يجري شيء عظيم، وبالنسبة له قرر أن يقضي وطره من فاطمة، ويبدو انه تراجع لاحقا، فطلب من الجِمال ان تموت، فماتت السبعة آلاف جمل فورا، وهنا يعطي كاتبو الملحمة الشعبية صفة الألوهة للبدوي وهي: "كن فيكون".

ولكن البدوي لم يذهب إلى فاطمة، وإنما كور يده ورفع قبضته وقال: يا قلب فاطمة بنت بري كن بيدي هذه وتعال إليَّ حالاً..!، وهذا ما حدث. 

سنرى صراعاً بين قدرات أسطورية بين الاثنين، انتهت بإعلان فاطمة هزيمتها وتوبتها، وأظهر البدوي تسامحا فلم يقتلها، إكراما لاسمها، والإشارة واضحة لاسم ابنة الرسول العربي واسم حفيدته.

أصبح لدى فاطمة استعداد لخسارة كل شيء من أجل الزواج من البدوي، وعرضت عليه أن تكون خادمة عنده، ولكنه قال بإباء واضح بأنه لن يتزوج أبدا، وسيعتقها على شرط ان تتوب توبة نصوحا.

ولدى إصرارها، أمر الأرض أن تبتلعها، فنفذت الأرض الأمر فورا، وابتلعتها إلى وسطها، ثم إلى صدرها وثدييها، ولم يثن ذلك فاطمة عن مطلبها فقالت له: هل تتزوجني؟ وأمام هذه الإصرار الغريب، أراد أن يقدم البدوي إجابة حاسمة، فطلب منها أن تمد يدها، وعندما فعلت بصق في كفها، فاخترقت البصقة كفها وسقطت على الأرض، ووسط ذهول فاطمة قال لها البدوي مفصحا عن قدرات فحولية فوق طبيعية: "إذا كفك لم تتحمل بصاقي، فكيف ستتحملينني زوجا؟".

 

العجم والصوفيون

كيف جاءت فاطمة بنت بري، ومتى، إلى قرية صغيرة تقع في ممر القدس، وتتبع مدينة الخليل، ولكن هي إلى الرملة، أقرب؟ قد لا نعرف ذلك أبداً.

ذكر باحثان غربيان هما أ.س. ماسترمان وو.ج. ماكالستر أن فاطمة بنت بري جاءت من بلاد فارس، كما جاء في دراسة لهما نشراها في عام 1916م، وأشارا إلى أن زيارة المقام تقتصر فقط على النساء، وإذا تجرأ رجل ودخل إلى المقام فسوف يصاب بالحمى ويجن، وعندما تحلف امرأة يمينا في داخل المقام فإنها يجب أن تغادر بوجهها رجوعا إلى الوراء.

وأكدا أن عائلة بنت بري جاءت من بلاد فارس، وان ناس قريتنا يعتقدون ان مجموعة من رجال الفرس موجودون في داخل رجم حجارة يوجد أمام شجرة بقرب المقام. وقد حدث أن مجموعة من الدراويش كانوا مارين بجوار المقام بطبولهم وراياتهم ودربكاتهم تعرضوا لحادث نتج عنه تحطيم جميع أدواتهم وآلاتهم عندما كانوا بقرب الكهف ونسب هذا الحادث إلى رجال الفرس. 

في الربع الأول من القرن العشرين، ستدخل تغييرات جوهرية على حكاية فاطمة بنت بري في فلسطين، وَسَتُعرف بانها زوجة البدوي، وستعود لمشاكستها، وقوتها، وستكون جزءا من الخلاف بين الأقطاب الصوفيين أنفسهم الذين انقسموا إلى صوفيين وعجم، وهذا الانقسام جزء مما اسميه الثنائيات في فلسطين، والعجم تعني الفرس، وتطور إلى الأجانب، ولكن فيما يخص موضوعنا، فهو مجرد تفريق وانقسام موازٍ للانقسام في المجتمع، فنجد مثلا وليا في قرية تابعة للصوفيين، وفي قرية مجاورة على خلاف مع الأولى مقاما للعجم. ويخالف رائد الفلكلور الفلسطيني توفيق كنعان ماسترمان وماكالستر، في نسبة فاطمة إلى الفرس، مؤكدًا أن "أهمية أولياء العجم تكمن في عداواتهم مع الأولياء الدراويش، الذين يتبعون الصوفية. ولم أجد ما يشير إلى عدائهم للأنبياء. وبما أنهم لا يستطيعون إيذاء الأولياء الموتى، فإنهم يلاحقون أبناءهم وأتباعهم". 

 

امرأة بوجوه كثيرة

الأولياء العجم، ومنهم فاطمة بنت بري، كما يقول كنعان: "يُحترمون في بعض القرى ويهملون في قرى أخرى. وان الاحترام الذي يؤدى لهم في القرى الأولى هو أقل من الأولياء الآخرين. وجميع هؤلاء ينتمون إلى النزقين". وهم نوع من الأولياء غير الصبورين، تماما كما هو حال أفراد في المجتمع.

شيخ من قرية دير غسانة، روى لكنعان عن فاطمة بنت بري: "أحمد البدوي، كانت له امرأة ذكية، إنها فاطمة ابنة البري. وعندما وصلت فاطمة إلى مرتبة ولية، تركت زوجها، وبدأ احترامها يتصاعد من جانب النّاس وأصبح العديد من أتباعه من أتباعها المخلصين. ودبت خلافات دينية بينها وبين البدوي منذ البداية، وعلى ذلك أطلق الأقطاب على جماعتها ازدراءً لهم اسم الأعاجم. ويشير الغناء التالي إلى ذلك:

"السيد اللي مقامه مجمع الأقطاب

لولا ما سلب بنت البري خاطره ما طاب

روح يا مريدي وتقلب على الأعتاب

وان مسك الظيم يبقى لك علينا حساب".

عندما كنت أتمعن في حكايات جدتي فاطمة بنت بري، يروق لي وضعها في خانة الرائدات من النساء، ليس فقط بقدرتها، بالنسبة لأهلي الفلاحين بالوقوف ندا لأحمد البدوي، بعكس ما هو متعارف عليه بين أتباعه، وإنما بتخصيص مقامها في قريتنا للنساء فقط، يبثثنها أشواقهن وأشجانهن التي لا تحصى.

لفاطمة بنت بري وجوه كثيرة، يذكر كنعان، ان البعض عَرّف صاحبة المقام بأنها شريفة ابنة البدوي وزوجته الخضرا.

بعد أكثر من أربعين عاما من النكبة، ستصبح السايحة، بالنسبة لعمتي عائشة الشيخ التي فقدت عالمها عام النكبة وتشردت من قرية زكريا، هي فاطمة ابنة الرسول العربي، وفيما يلي ما اقتبسته عنها في مجموعتي القصصية انثيالات الحنين والأسى: "مقام فاطمة ابنة الرسول له السلام وله البركات.. تقصدها نساء البلد ويسمينها السائحة.. تنذر الواحدة منهن وتشعل سراج الزيت الفخاري في المغارة المعتمة شرق البلد.. الشجر أمامها يصدم الوجوه. لم يكن زحيفاً ولا مرمية.. إنما عذقا يفرش ويجلل السائحة في أرض الله الواسعة حزنا على أشرف الخلق".

أمّا حفيداتها أمثال عمتي، فسحن في الأرض منكوبات، ورحلن عن دنيانا وهن يحاولن لملمة ما تبقى من عالمهن، الذي اندثر بسرعة.

جدتي فاطمة السايحة، صاحبة القدرات لم تعد موجودة الآن، بسبب التغيرات التي أحدثها المحتلون على قريتنا، التي دمرت أغلبية منازلها ومعالمها، وعندما يتمكن أبناء القرية من العودة إليها في يوم ما، وأرادوا التعرف على مكانها، فسيجدون صعوبة في العثور عليه، وستظل مجرد حكاية، قد يتوقف الأجيال عن حكايتها.

أمّا الأجيال الجديدة من حفيداتها، فإنها لا تعني لهن الكثير، حتى كرائدة نسوية، فهن حسمن أمرهن بالتجند في المنظمات غير الحكومية.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018