بعد الإفراج عن السجينات.. سجن آخر وعقاب مجتمعي ووصمة عار

 

 

حين أنهت إبتسام (43 عامًا) مدة سجنها وهي أم لأربعة أبناء، وخرجت من سجن "أنصار" بعد أن قضت فيه قرابة العام بتهمة النصب والاحتيال، مدعيةً أنها تجيد السحر والشعوذة "عرافة"، لم تكن تعلم ما ينتظرها خارج أسوار الزنزانة من نظرات لوْم وعتاب ووصمة عار من المجتمع.

ابتسام – والاسم هنا مستعار كسائر الأسماء الواردة في التقرير والتي تحفظت الحال عن ذكرها- دفعتها الظروف الاقتصادية السيئة التي تعيشها هي وأسرتها إلى القيام بدور العرافة، فزوجها تركها وتزوج بأخرى، ولم يعد يتعرف عليها وعلى أبنائها، وكسجينة مفرج عنها، أصبحت أفضل أمانيها أن ينسى المجتمع وضعها السابق، وأن تبدأ حياتها من جديد.

نقلت أبناءها إلى مدرسة بعيدة جدًّا عن مكان سكنها حتى لا تعرضهم للمضايقة التي تتعرض لها، إذ أصبحت منبوذة بعد خروجها من السجن، ولا يقبل أحد التعامل معها، رغم أنها عوقبت.

لم يكن حال سعاد أفضل من حال إبتسام (40 عامًا)، وهي أم لسبعة أبناء، التي سجنت على خلفية السرقة، وبعد مضي المدة التي حكمت بها ودفعها للغرامة المقررة، لم يرحمها المجتمع، وأصبحت نظرات العار تلاحقها أينما ذهبت، وهناك من قطع علاقته بها وأصبح ينادي أبناءها "يا ولاد السراقة".

تقدم لخطبة ابنتها أحد الشبان، وعندما علم ذووه أن والدة العروس ممن لهن سوابق حبس، رفضوا الزواج.

ولم تكن النظرة التي تعرضت لها  زينب (43 عامًا)، وهي أم لولدين، كغيرها من السجينات، فهي سجنت على خلفية اتهامها بالتحريض على قتل زوجها.

سبع سنوات قضتها في أروقة المحاكم لإثبات براءتها، وكل محاولتها باءت بالفشل، وحكم عليها بالسجن ست سنوات، قضت منها أربعاً، إلى أن ظهرت براءتها.

تقول زينب: "كان هناك تعاطف كبير من قبل المجتمع وكل من يعلم بقصتي، فلم أعانِ من نظرات لوْم أو عتاب من أي شخص"، معللة ذلك بأن المجتمع ومن حولها يؤمن ببراءتها على خلاف غيرها من السجينات اللواتي يعانين من وصمة عار ترافقهن طول حياتهن.

 

الرأي الحقوقي

يقول الناشط الحقوقي وعضو جمعية تعنى بإدماج المفرج عنهم من السجون سامح حمدان لـ "الحال" إن أكثر ما يعاني منه النزلاء بشكل عام بعد الإفراج عنهم بمراكز الاصلاح والتأهيل  هو "أزمة الإفراج"، وهذه الأزمة تعتبر سبباً من الأسباب الرئيسية للعودة إلى الجريمة، خاصة أن المجتمعات العربية تنظر لمرتكبي الجرائم على أنهم  أشخاص خارجون عن العادات والتقاليد والأنظمة، "فكيف لو ارتكب هذه الجريمة سيدة!".

ويتابع: من المشاكل التي تعاني منها السجينات بعد خروجهن من السجن، صعوبة حصولهن على شهادة حسن سير وسلوك، في حال أرادت السيدة التقدم لإحدى الوظائف، موضحًا أنها "في هذه الحالة لا تستطيع العمل في أي مكان".

ويضيف: "ناضلنا ما يقارب العامين لتنال إحدى السجينات شهادة حسن السير والسلوك، لتشغل  وظيفة عاملة نظافة في أحد المستشفيات. تواجهنا العديد من المشاكل لإعادة دمج المفرج عنهن في المجتمع". 

وبالمقارنة مع مجتمعات أخرى، قال حمدان: ضمنت كافة المعايير الدولية والاتفاقيات إعادة دمج وتأهيل السجناء، ولكن المجتمعات العربية لا تزال تنتمي إلى المدرسة التقليدية التي تقول "إن العقاب ليس تأهيلاً وإصلاحاً"، منوهًا إلى أن هذه الفئة مهمشة وبحاجة إلى إلقاء الضوء عليها، خاصة من مؤسسات المجتمع المدني.

 

الرأي النفسي

تقول الأخصائية النفسية في مركز الأبحاث والاستشارات القانونية والحماية للمرأة سمر قويدر إن المجتمع الفلسطيني محافظ ويتمسك بالعادات والتقاليد بشكل كبير، وهذه العادات تفرض عدم تقبل السيدة المفرج عنها، فالسجن يعطي وصمة عار وخاصة للسيدات، والمجتمع لا يتقبل مجرد فكرة سجن المرأة مطلقًا، أيّا كان نوع القضية.

وتتابع: تتعرض السجينة المفرج عنها لمجموعة من الضغوطات تشعر أنها حملت وصمة وصمها بها المجتمع، إضافة إلى قطع علاقاتها الاجتماعية، وهذا يؤثر على نفسيتها، وتصبح بحاجة إلى وقت طويل حتى تتكيف من جديد في المجتمع وتحاول تغيير النظرة السلبية تجاهها.

وتواصل قويدر: القضايا الأخلاقية يصعب التعامل مع أصحابها حتى لو أرادت صاحبة القضية الاندماج في المجتمع، ولن يغفر لها المجتمع.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018