بالملح يحمي يوسف عوض ذاكرة العودة

 

عبر الفنان التشكيلي يوسف عوض (40 عاما) عن معاناة اللاجئين الفلسطينيين في 85 لوحة فنية جاءت بعنون "ملح، رسوم وطلاسم للمشردين".

خمس سنوات تشكل خلالها إنتاج معرض ملح الذي كان بدايةً سيرة ذاتية شخصية للفنان، وجاء المعرض ليفك مجموعة الطلاسم والأسحار التي مورست على اللاجئ الفلسطيني لطمس ذاكرته الجمعية والفردية، وهو في الوقت عينه وجع اللجوء وعذاباته.

ويحاكي هذا المعرض محطات مختلفة مقسمة في أربع أجزاء، المحطة الأولى تحاكي التشرد الفلسطيني، والمحطة الثانية تحاكي التيه الذي عاش فيه الفلسطيني قبل أن يستقر في المخيم، والمحطة الثالثة تحاكي عملية مأسسة وبناء المخيم، والمحطة الرابعة تحاكي المجازر المتعلقة في المخيمات فقط مثل صبرا وشتيلا وتل الزعتر.

ويقول الفنان عوض أن هذا الأمر تطلب إجراء دراسة تفصيلية عن حكايات اللجوء وأيام الحصار وعدد الشهداء وتوقيت المذابح التي حصلت، وذلك من أجل توثيقها حتى لا تقتصر على كونها حدثاً يمر كذكرى في لوحة.

ويضيف أن هذا المعرض يركز على مشاكل ولا يطرح حلول، الأزمات التي عانى منها المخيم مرارا وتكرار، الأزمات التي يمر بها من يعيش في المخيم.

 

المخيم مرة أخرى

ويرى عوض أن اللوحات التي توثق حالة اللجوء، تسلط الضوء أيضا على حالة تناسي المخيمات، خصوصا مخيمات الخارج، معتبرا في الوقت ذاته أن لا أحد يشعر بمعاناة المخيم إلا من عاش في المخيم، وأنه لو لم يكن لاجئا لما استطاع أن يعبر عن معاناة اللجوء والمخيم.

ويعتبر الفنان يوسف عوض ان العمل على هذا المعرض جاء ردّاً على إعلان الدولة الفلسطينية، حيث إن إقامة دولة على حدود 1967 يقضي على قضية اللجوء والمخيمات، وبالتالي، كان المخيم الذي تمثل في 85 لوحة هو الرد على إعلان الدولة.

 

همّ شخصي وجمعي

يخوض المعرض في العديد من القضايا المتعلقة باللجوء، بالإضافة إلى بعض المسائل الشخصية المرتبطة في تجربة الفنان، خاصة كونه لاجئا، حيث يقول عوض: "الهمّ الشخصي هو المكان الذي أعيش فيه، الانطلاقة التي بدأت منها، وهناك مشكلة في الصدام اليومي مع الأحداث في المخيم، "الصور، حبل الغسيل، التلفاز"، وهناك أيضا مشكلة متعلقة في المكان كمكان، وبالتالي الهم الذاتي هو رد فعل لهذه المشاكل ومن الطبيعي أن يتفرع ليمس الهم الجمعي".

ويضيف: "أما بالنسبة للهم الجمعي، فمنذ عام 2007، بدأت الرسم على جدران المخيم، واستمررت في ذلك مدة خمس سنوات، وأثرت بي هذه التجربة كثيرا، ولكن بالنهاية وصلت إلى طريق مسدود، أو بمعنى آخر لا توجد نتيجة، كما أن بعض الجداريات قوبلت بالرفض من قبل بعض الأشخاص، وهذا ما دفعني إلى الخوض في القضايا المرتبطة بالهم الجمعي بدون جداريات".

ومن اللوحات التي حملت الهم الجمعي، لوحة جاءت باسم سهى، وهي لاجئة فلسطينية تعيش في مخيم برج البراجنة في لبنان، تعاني من سرطان في الرأس، وتصل تكاليف علاجها إلى 1800 دولار شهريا، ولم تحصل على أدنى العلاج المطلوب كونها لاجئة، ويرى عوض أن مثل هذه الحالة بحاجة لمن يعبر عنها، وأن مهمته كفنان أن يصل بمأساة سهى إلى الناس.

 

أيوب في المعرض

أيوب هو الشخصية المتكررة في جميع اللوحات، بطل يسافر من لجوء إلى لجوء، حيث استمده الفنان من الصبر، وهو شخصية من وحي التشكيل، ولد عام 2006 كعاشق ليعيش الحالة التي يعبر عنها بعيدا عن الكاريكاتير فهو يقول شيئاً دون أن ينطق أو يكتب، ثم تطور خلال السنوات ليصبح المدافع والمقاوم كما الحالة التي جاء فيها بملح.

 

الشفرة والإبرة 

احتوت العديد من اللوحات في المعرض على رسمة الشفرة تارة والإبرة تارة أخرى، وفي هذا السياق يقول عوض إن هناك العديد من الدلائل الرمزية والفنية المتعلقة باستخدام الشفرة والإبرة في اللوحات، علما أن الدلالة الرمزية والفنية التي تعطيها الإبرة في اللوحات تختلف من لوحة لأخرى، وكذلك الأمر مع الشفرة.

ويضيف: "الإبرة كانت ميراثاً عن أمي، عندما توفيت تركت لي علبة مليئة بالإبر والدبابيس، ما دفعني للتعلق بها، واستخدمتها باللوحات للتعبير عن الألم، وكان ذلك في مواقف متعددة في اللوحات، مثل التهجير، والموت، والمرض، والاغتصاب وغيرها من الأمور المتشابكة، وبذلك تبقى الإبرة واحدة، أي الألم واحد والمواقف متعددة.

ويشير إلى أن الشفرة هي الأيقونة الخاصة به وبتجاربه، حيث يؤكد أنها وردت في اللوحات التي تعنيه بشكل شخصي.

ويتمنى الفنان يوسف عوض أن يخرج هذا المعرض للنور أكثر، وألا يقتصر على مدينة رام الله فقط، منوها في الوقت ذاته إلى أن من يحكم البلد فنيا هو من يحدد ما يعرض وما لا يعرض، حيث اعتمدت انجازاته السابقة والحالية على جهود شخصية فقط، دون رعاية أو اهتمام من قبل المؤسسات والجهات الرسمية المختصة بهذا الشأن.

يذكر أن عوض خريج معهد الفنون الجميلة في رام الله، ولديه خمسة معارض فنية تشكيلية وملح هو السادس.

 

  • خريج حديثاً من دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018