اليسار الإسرائيلي على يمين اليمين

 

كعادتي مساء كل جمعة، جلست لمتابعة "استوديو الجمعة" في القنوات التلفزيونية الإسرائيلية، وفي هذه الليلة، تقدم القنوات مجلة إخبارية عن حصاد الأسبوع، وفيها تستمع لتقارير إخبارية موسعة وتحليلات عميقة. وعادة، أتنقل بين القنوات لاختيار تقرير أراه لافتاً.

داني كوشمارو هو مقدم البرنامج في القناة الثانية، وقد قدم حلقة مميزة في الذكرى الثانية والعشرين لاغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين، حيث جمع 4 رؤساء أركان سابقين في الجيش الإسرائيلي، وتحدث معهم عن إرث الرجل السياسي والأمني. كل المتحدثين، دون استثناء، أثنوا على رابين كقائد، وعمليّاً، كانت سهامهم موجهة لرئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، فهو لا يتقدم بالمسيرة السلمية مثل رابين. كلهم، دون استثناء، كانت آراؤهم يسارية، وأجمعوا على ضرورة الانفصال عن الفلسطينيين.

في العامين 2012 و2013، عُرض الفيلم الوثائقي (The Gatekeepers) الذي بث كمسلسل أيضاً. هذا العمل يجمع بين ستة من رؤساء جهاز الأمن الإسرائيلي العام "الشاباك" الذين لم يعودوا على رأس عملهم،  ظهروا وهم يحللون السياسة الإسرائيلية من وجهة نظرهم، ويتحدثون عن رؤيتهم للحل مع الفلسطينيين. جميعهم، دون استثناء، أجمعوا على أن هناك احتلالاً يجب إنهاؤه.

وهذه الحالة ليست جديدة في إسرائيل، أي أن قادة قوى الأمن الذين كانوا بالأمس القريب فقط في مقدمة معسكر الحفاظ على سياسة الحكومة الاستيطانية؛ تكتشف عند انتهاء مهامهم أنهم "يساريون"، مع أنهم تمتعوا -كما يقولون- بحرية عمل وصلاحيات واسعة في الضفة الغربية وقطاع غزة، حتى أن أحدهم استخدم مصطلح "كنا ملوكاً". صحيح أن لهذا الأمر دلالات كثيرة عن خدمة المنظومة بمعزل عن رأيك السياسي، وأحياناً خدمة المنظومة بإخلاص حتى وهي تعارض رأيك السياسي، لكن لهذا أيضاً دلالة على فصل السلطات البالغ الأهمية لتسيير أمور الدولة، فالسلطة التنفيذية تنفذ سياسات السلطة السياسية دون تسييس  المؤسسة الأمنية.

هذه القيادات تمثل ظاهرة في المجتمع الإسرائيلي لأفراد يعرّفون أنفسهم على أنهم يساريون سياسيّاً، وأنهم مع الانفصال عن الجانب الفلسطيني، وذلك دون تحمل أي مسؤولية أخلاقية عن الاحتلال وجرائمه بعد أن شاركوا فعلاً بأجهزة الاحتلال المختلفة، وبالأخص الخدمة بالجيش.

اليسار في العالم مفهوم اقتصادي، وفي إسرائيل سياسي أمني، وبعد ذلك اقتصادي اجتماعي. بدأ اليسار في إسرائيل طريقه قبل قيام الدولة كيسار اقتصادي اجتماعي، هذا في الوقت الذي أنشئت فيه المستوطنات الأولى التي كانت تسمى "القرى التعاونية". وكانت هناك طبقة عمال يهودية واسعة. وهذه التيارات أسست لتشكيل اقتصاد اشتراكي اجتماعي. بعد قيام دولة إسرائيل، قاد حزب عمال إسرائيل، الذي تطور لاحقاً ليصير حزب العمل، رأس الحربة في قيادة اليسار الاقتصادي بقيادة بن غوريون حتى عام 1967، حيث بدأ اليسار السياسي يظهر في كل ما سيسمى لاحقاً الحل السياسي على أساس العام 1967.

اليسار الإسرائيلي المؤمن بحل الدولتين ينقسم إلى قسمين أساسيين في تصوره لمستقبل دولة إسرائيل: القسم الأول يريد أن تكون الدولة دولة لكل مواطنيها، بمن فيهم المواطنون العرب. أما القسم الثاني، فينادي بدولة يهودية ديمقراطية، وهو الأكثر انتشاراً في صفوف اليسار. إن حل الدولتين الذي ينادون به نابع من مصلحة إسرائيلية عليا للحفاظ على يهودية الدولة وقوتها وتحسين روابطها الاقتصادية والاجتماعية مع المنطقة.

يخطئ كثير من الفلسطينيين بتعريف مفهوم اليسار الإسرائيلي، فلو سألت من ينادي بحل الدولتين عن مفهومه لهذا الحل، وسألته عن ماهية الدولة الفلسطينية المقبولة عليه من ناحية السيادة والأمن والحدود وغير ذلك من القضايا؛ لاكتشفت عدم توافق كاملاً بين الفهم الفلسطيني ورؤية اليسار الإسرائيلي، فغالبية اليساريين يريدون إقامة دولة فلسطينية بعد ضم الكتل الاستيطانية لإسرائيل، وأن تكون الدولة الفلسطينية العتيدة منزوعة السلاح. أما فيما يخص اللاجئين؛ فمتفق عليه بالرفض عند كافة أطياف المجتمع الإسرائيلي.

الفلسطينيون ينظرون إلى اليسار ككتلة واحدة، وقد تغريهم أحياناً كثيرة كلمات وتصرفات يطلقها هؤلاء، سواء كانوا جماعات أو أفراداً، دون الفهم الحقيقي والانتباه للاختلافات بين الأحزاب اليسارية المختلفة. اليوم، رئيس حزب العمل المنتخب آفي جباي يغازل اليمين الإسرائيلي إذا رغب بتقوية احتمالات انتخابه، ويدافع عن حق المستوطنين في البقاء بمستوطناتهم!

زعماء حزب العمل كانوا في الحكم مرات عديدة منذ عام 1967، وهم من أقاموا الكثير من المستوطنات الكبرى في الضفة الغربية، ومعظمهم لم يتقدموا بخطوات حقيقية لإقامة دولة فلسطينية. حتى في أوسلو، وهي أقرب نقطة التقاء بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لم يتم الحديث عن دولة أو لاجئين أو قدس، وتم تأجيلها لما تسمى مفاوضات الحل الدائم التي لم تأتِ قط، ولن تأتي أبداً، على ما يبدو، ويفسر الإسرائيليون هذا التأجيل يوميّاً على أرض الواقع بتكثيف البناء الاستيطاني، وحسم الأمر بخطوات عملاقة على الأرض فيما يتعلق بالقدس، لعدم إعادتها للفلسطينيين. أما فيما يخص اللاجئين، فالأمر محسوم تماماً لدى معظم أطياف المجتمع الإسرائيلي بيمينه ويساره: لا تنازل في هذه القضية.

  • أكاديمي وباحث في الشأن الإسرائيلي

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018