المُعمّر سرحان يهزم بلفور!

 

يحتفظ محمد كايد سرحان، الذي تجاوز المئة عام، بابتسامة وروح مرحة، ويطيل الحنين إلى قريته الكفرين، التي أجبر على تركها. لكن مزاجه سرعان ما ينقلب ويتوقف عن الكلام، ثم يتطوع لإكمال حكاية شبابه. والوصف الثابت الذي لا يغادر معظم حديثه: "الإنجليز سبب الخراب والدمار الذي نعيشه".

يحفظ سرحان، ببطاقة هوية برتقالية، تؤكد أنه ولد عام 1917 أو سنة وعد بلفور اللئيم، فيما يقول أولاده وأحفاده إنها تقديرات عشوائية، فوالدهم وجدهم تجاوز القرن منذ سنوات، إذ أبصر النور كما قالت وثيقة عثروا عليها عام 1911. واللافت أن البطاقة، تفيد أنه ولد في "إسرائيل" المُقامة عام 1948!

يسرد: أنا أكبر من الوعد الإنجليزي بلفور، الذي سرق بلادنا وأرضنا وأعطاها لليهود. ويوم خرجت من بلدنا كان عندي 5 أولاد أطول مني، ولو ابني رشيد عايش كان اليوم عمره 90 سنة. وعملت في أراضي والدي، ولا أنسى حقول: أم اليتامي، وأم العبران، ووادي العرايس، والطويل، وعين الكفرين، والحواكير، والمرشقة، وتلة الزعترة، وأم القرامي، وطريق العرب الذي كان يربط بلدنا بمرج ابن عامر ويافا، والبيادر، وبئر خميس، ووادي البزاري، وعين البلد، ووادي العرائس، ووادي الحنانة.

 

17 ثائرًا

يفيد: كنت شاباً قبل أن نخرج من الكفرين، وسمعنا عن 17 مقاتلاً صمدوا في جبال أم الفحم، أيام الثورة، لكن الدواسيس (العملاء) وشوْا بهم، وضربتهم الطائرات بالنار، واستشهدوا. ثم جاء الإنجليز بجثثهم إلى ساحة البلدة، بعد جرها بالخيول.

سمع سرحان برجال الثورة: يوسف أبو درة، ويوسف الحمران، والشيخ عطية، ومصطفى الأسمر، وأبو جلدة، والشيخ عز الدين القسّام. وكان يمضي معظم وقته في الحقول. ولا تسقط من ذاكرته هجمات الجيش البريطاني على الكفرين، فقد كانوا يختارون وقت الظهيرة لاقتحامها، ويجبرون الأهالي على التجمع في ساحة البيادر، ويحضرون المختار، ويجلس قائدهم وراء طاولة، ثم يبدأ باختيار الشبان الذين سينكلون بهم، وينهبون القمح، ويخلطون كل ما يجدونه في البيوت معاً.

يروي: كان الإنجليز يضربون الناس بالعصي والأيدي على الوجه، ويربطون الثوار بالجنازير بعد استشهادهم، ويجرونهم إلى بلدانهم، ومن يعثرون عنده على "فشتشه" (رصاصة)، أو بارودة يحكمون عليه بالإعدام، واستخدموا كثيراً الخيول للوصول إلى بلدنا.

 

رصاص وقشّ

مما لا يسقط من ذاكرة سرحان، نجاح أحد شبان البلدة فترة طويلة في تهريب الأسلحة للثوار، فيومها كان يضع القش على دابته، ويخفي الرصاص والسلاح بينه، إلى أن أمسك به الإنجليزي، وأعدموه.

يتابع: في إحدى المرات تجمع الثوار في بلدنا ومعهم عشرات الخيول، واقتحم الإنجليز الكفرين، فهربوا وأخفينا السروج في خوابي القمح، وآبار المياه، وحين سألونا عن سبب وجود هذا العدد من الخيول، قلنا لهم إننا نحرث ونزرع ونستعمل الخيول دائمًا، وبعد انسحابهم عاد الثوار لخيولهم.

من القصص التي يكررها الراوي، الذي ضعُف سمعه، اختباء ثلاثة ثوار داخل شجرة عُليّق، فحينها احتموا طوال النهار بقلب الشجرة، التي تجري المياه من تحتها، ولم يفلح الجنود في الوصول إليهم.

يقول: رعيت الأغنام في سن مبكرة، بعد أن خرجت من المدرسة نهاية الصف الثالث الابتدائي. وشاهدت الشيّالين (استعملوا الجمال في نقل البضائع)، وكانت بلدنا قليلة الزيتون، وكثيرة القمح والعدس والسمسم والكرسنة والخضراوات، وأرضها سهلية. وحين كانت تثلج الدنيا كنا نتخيل أن الجبال ستقع علينا، وكان المطر وفيراً، ولم نر الشمس في المربعانية إلا في المناسبات.

وتعيش في ذاكرة الراوي أسماء عائلات قريته التي اشتهرت بمزارعها ومواشيها، فيعدد بعضها: سرحان، والغول، وخليفة، والعسوس، ونعجة، وعبد الجواد، والحاج يوسف، وأبو لبّادة، وأبو سرّيس، أما مختار البلد فأديب أبو نجمة، الذي كان من حيفا، وإمام المسجد الشيخ عبد الله الأحمد، ونعيم دروزة مدير المدرسة ومعلمها الوحيد، أما النجار فاسمه جبر.

 

حافلة وأحفاد

وحسب سرحان، كان التنقل إلى حيفا بالباص، والأجرة 4 قروش في الذهاب والعودة والصعود من وادي الجعارة، وكان يزور أخواله وجده برفقة أمه يسرى في حيفا، وشاهد القطار، والبحر، ولا ينسى كيف كانت أمواج البحر تضرب مركز البوليس (الشرطة).

راجت في الكفرين مهنة نقل القش والبضائع والحجارة على الجمال، واكتسبت بعض عائلاتها الاسم من هذه المهنة. وتستقر في ذاكرته ما كان يسمعه من توجه المرضى من بلدته إلى حيفا، ودفع أجور المدرسين بالبيض أو القمح أو الكرسنة.

تنقل سرحان بين أم الفحم وعانين واستقر به المقام في مخيم الفارعة، وسبق أن تعرض لحادث عمل أصاب يده من قلع الحجارة وتكسيرها، فاضطر لعلاج نفسه بنفسه بطريقة شعبية، وما زال أثر الحادث على جلده.

ووفق السارد، فإن أكثر الأمراض التي تسري اليوم هي العمى والصمم؛ لهول ما شاهدوه وسمعوه من أخبار مؤلمة، وحسرتهم على بلادهم.

تزوج سرحان مرتين: علياء قبل النكبة، وجميلة بعد سقوط البلاد، وأنجب 6 أبناء و7 بنات، ولديه نحو 250 من الأحفاد وأحفاد الأحفاد. وولده البكر اقترب من التسعين، وابنته الكبرى شمسة في الثمانين (لها أحفاد الأحفاد أيضا).

ينهي وهو يحتضن أصغر أحفاده: تزوجت وأنا ابن 20 سنة، وكان مهر العروس 50 جنيهًا، وبعضهن 70، وكنا نشتري دونم الأرض بجنيهين، وشاهدت جارنا محمود أبو نهية، الذي سرق اليهود 200 رأس غنم منه، فمات حسرة عليها.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018