الانقسام بسرعة البرق.. وإنهاؤه بسرعة السلحفاة

 

استغرق الانقسام في حزيران عام 2007، الذي اطلقت عليه حماس اسم "الحسم العسكري" وسمته فتح "الانقلاب الاسود"، اربعة ايام. واتفق مؤخراً في القاهرة على انهاء المرحلة الاولى منه خلال اربعة أشهر، لكن كثيراً من المراقبين يتوقعون ان يستغرق سنوات.

وتتبع حركة فتح في انهاء الانقسام اسلوبا يقوم على "تسليم الحكم". اما حركة حماس، فتتبع اسلوبا يقوم على "هدم الجسور"، اي هدم كل جسر يجري قطعه نحو انهاء الانقسام، كي لا تكون متاحة العودة اليه من جديد.

ونص الاتفاق على انهاء الانقسام على مرحلتين: الاولى، وهي تمكين الحكومة، وتجري خلال اربعة أشهر، والثانية، وتشمل القضايا الكبرى مثل الشراكة في منظمة التحرير، واعادة بناء المجلس الوطني، وتفعيل المجلس التشريعي وغيرها، يجري التباحث بشأنها في لقاء فصائلي في القاهرة في الحادي والعشرين من الشهر الجاري.

وتشمل المرحلة الاولى، تسلم الحكومة الوزارات، والمعابر، وايجاد حل لمشكلة الموظفين المدنيين والعسكريين الذين عينتهم حكومات حركة حماس، وعددهم اكثر 40 الف موظف، منهم 23 الف موظف في القطاعات المدنية، و 17 الف موظف في اجهزة الشرطة والامن.

واتفق على ان يجري تعيين لجنة ادارية وقانونية لبحث قضايا الموظفين المدنيين، وعلى ذهاب قادة اجهزة الامن في الضفة الى غزة، والالتقاء مع نظرائهم للبحث في كيفية اعادة بناء اجهزة الامن والشرطة من جديد.

وتسلمت الحكومة، رسميا، المعابر مطلع الشهر الجاري، لكن لم يجر بعد الانتهاء من ملفي المؤسسات والدوائر الحكومية، والاجهزة الامنية التي اتفق على تشكيل لجنة ادارية ومالية لحل الاولى، وزيارة وفد من قادة اجهزة الأمن في الضفة الى غزة والالتقاء بنظرائهم للاتفاق على الثانية (اجهزة الامن) وهي القضية الاكثر تعقيدا.

واتسم تسليم المعابر بتوتر لافت بين حركتي فتح وحماس. واصدر عضو المكتب السياسي لـ"حماس" موسى ابو مرزوق بيانا مقتضبا، عقب تسليم المعابر عكس حجم الاختلاف في المفاهيم بين الحركتين حول انهاء الانقسام، اذ جاء فيه: إن عبارات التسليم، والتمكين وشرعية طرف، دون الطرف الآخر، لا وجود لها فيما تم التوقيع عليه. وأضاف: "إن اتفاق المصالحة في الرابع من أيار 2011 في العاصمة المصرية القاهرة قائم على الشراكة والتوافق الوطني".

ويقر المسؤولون في الحركتين بوجود فجوة كبيرة في مواقفهما من قضايا المرحلة الأولى. فحركة حماس تطالب بدمج الموظفين الجدد الذين عينتهم حكوماتها، مع الموظفين القدامى الذين عينتهم السلطة. اما حركة فتح، فتقول إنه لا يمكنها قبول اجهزة الامن التي عينتها حماس، لانها، والحال هذه، ستحكم السلطة من خلال نفوذها في الجهاز الامني، وانه لا يمكنها قبول جميع الموظفين المدنيين لان عددهم يفوق قدرتها على استيعابهم الى جانب الموظفين القدامى.

وقال مسؤول رفيع في فتح: "حركة حماس تريد ان تترك الحكومة، لكنها تريد أن تواصل الحكم من خلال عناصرها وضباطها الذين تريد ان تزرعهم في اجهزة الامن والشرطة". وأضاف: "يوجد في غزة 17 الف رجل امن عينتهم حركة حماس، وبقاء هؤلاء في مواقعهم يعني ان الحركة ستواصل السيطرة على القطاع من داخل السلطة".

وهناك خلافات ايضا حول موظفي الجهاز المدني. فحركة حماس تطالب ببقاء جميع موظفيها في القطاع العام، بينها حركة فتح تقول إنه يجب البحث عن حلول اخرى، مثل احالة العدد الاكبر منهم الى تقاعد خاص يتولى صندوق دولي، وليس السلطة، تمويل مستحقاتهم المالية. ويقول مقربون من الرئيس محمود عباس ان الحل النهائي لقضية الموظفين مرهون بوجود تمويل دولي لان السلطة غير قادرة على حل هذا الملف.

وتشهد حركة حماس خلافات داخلية، تظهر احيانا الى السطح، بشأن "التنازلات" التي تقدمها الحركة لانهاء الانقسام. لكن مقربين من صانع القرار الاول في الحركة في غزة، يحيى السنوار، يقولون ان الرجل ماضٍ الى انهاء الانقسام حتى لو تطلب الامر تنازلات مؤلمة جدا. 

وقال احد المقربين منه: "نحن متمسكون ببقاء اجهزة الامن الحالية في مواقعها، واعادة دمجها في اجهزة امن السلطة، لكن اذا اصرت السلطة على خلاف ذلك، فاننا سنبحث عن مخرج". واضاف: "سيكون البديل لبقاء اجهزة الامن الحالية صعبا، لكنه ليس مستحيلا". ومضى يقول: "اجهزة الامن الحالية اجهزة قوية وفاعلة، ومصر تطالب ببقائها لانها اثبت قدرتها على حفظ الامن في غزة، وعلى الحدود، وفي حال حلها واخراجها من الخدمة، فان هناك قلقا حقيقيا من عودة الفوضى التي كانت سائدة قبل الانقسام من جديد".

وقال اللواء توفيق ابو نعيم قائد قوى الامن في غزة، حول ملف موظفي الأجهزة الأمنية: "كلنا أبناء الشعب الفلسطيني، ولن يكون هناك إقصاء لأي موظف في الأجهزة الأمنية بغزة، ولن نقبل أن يكون هناك إقصاء لأحد".

وأضاف: "هناك اتفاق وقع بالقاهرة عام 2011 وضع أساساً لدمج الأجهزة الأمنية، وحلاًّ لقضية موظفي الأجهزة الأمنية في غزة، ويجب حل قضية الموظفين".

لكن حركة فتح ترى ان اتفاق القاهرة المذكور تآكل مع الزمن ولم يعد صالحا لمعالجة القضايا الراهنة، وهو ما يجعل الكثيرين يعتقدون ان حل مشكلة اجهزة الامن سيتسغرق الكثير من الوقت، خاصة أن مصر، الراعية للاتفاق، تساند مطلب حماس ببقاء هذه الاجهزة في الخدمة، لدورها في محاربة الجماعات السلفية وحماية الحدود.

وإضافة الى اجهزة الشرطة والامن، يشكل الجناح العسكري لحركة حماس معضلة في الطريق إلى انهاء الانقسام. يقول الدكتور محمد اشتية عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ان من اهم استحقاقات المصالحة وجود "سلطة واحدة ورجل امن واحد وبندقية واحدة". ويشير العديد من قادة فتح الى ان هذا المطلب الذي يردده الرئيس محمود عباس يعني عودة حماس الى دورها حركة سياسية الى جانب الحركات السياسية الفلسطينية.

وطالب الرئيس محمود عباس حركة حماس، في اكثر من مناسبة، بإيجاد حل لجناحها العسكري. وقال في اجتماع آخير للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وفي مقابلة مع وسائل اعلام أجنبية، انه لن يقبل بوجود "ميليشيات مسلحة" في غزة.

لكن ليس من المعروف اذا كان موقف الرئيس محمود عباس هذا مناورة تفاوضية او اصراراً نهائياً.

ويقول مقربون من الرئيس إنه ما زال يتقدم بحذر شديد في ملف إنهاء الانقسام، مشيرين الى انه لغاية الآن لم يلغِ المراسيم والقرارات التي اتخذ بموجبها "اجراءات غير مسبوقة" في غزة مثل تقليص رواتب الموظفين بنسبة 30%، وتقليص كميات الكهرباء وغيرها.

وقدمت حركة حماس "عرضاً" جديا للرئيس محمود عباس لقبول بقاء جناحها العسكري في غزة، يقوم على التعهد أمام الراعي المصري، بعدم القيام باي عمل عسكري من قطاع غزة، وعدم ظهور اي رجل مسلح او مقنع على الارض في القطاع.

ويرى بعض المراقبين ان الرئيس عباس قد يقبل في النهاية هذا التعهد، في حال تنازل حماس عن مطالبها الاخرى بشأن اجهزة الأمن والشرطة والموظفين المدنيين وغيرها.

لكن حتى في حال نقل السلطة في غزة من حماس الى الحكومة، فان الملفات الكبرى في انهاء الانقسام، تظل قائمة، دون وجود ضمانات بالتوصل الى حل لها في الزمن المنظور، مثل الشراكة في منظمة التحرير والحكومة وغيرها.

ويقول مقربون من الرئيس محمود عباس انه لا يمكن قبول مشاركة حماس في منظمة التحرير وفي الحكومة دون اعترافها بالبرنامج السياسي للحكومة وللمنظمة الامر الذي ترفضه حماس لانه ينطوي على اعتراف باسرائيل بالاتفاقات الموقعة معها.

وللتغلب على هذه العقبة، وغيرها، تقترح حماس العودة الى اتفاق القاهرة 2011، لكن حركة فتح تقول إن مياها كثيرة جرت تحت الجسر منذ الاتفاق المذكور، وان الكثير من بنوده لم تعد صالحة للمرحلة الحالية.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018