وراء كل فتاة حنونة مخيم

 

ثمة صورة مسبقة مطبوعة في خيال الناس عن بنات المخيم أنهن حادات وقويات، لكن واقع الامر عكس ذلك، فهن في الغالب حادات بسبب قساوة ظرف العيش في المخيم، لكن من ناحية أخرى، هن مكسورات وحنونات بشكل جذري، ويدفعن ثمن الحياة في المخيم مثل كل ابناء شعبنا هناك. 

"الحال" تفتح فكرة هذا التحقيق الاجتماعي، وتحاور فتيات حولها، من أين هن قويات؟ ومتى يكن مكسورات؟ وماذا يعلم المخيم وما الذي تتركه الأزقة الضيقة وعناد المكان وجموع عنفوان الاجيال التي كتب عليها الصمود والنضال واسترداد حق أجداد شردوا وهجروا وصاروا لاجئين؟

 

جوسي: الركض ليس رياضة

توافق جوسي عبد الله فرجس على فكرة ان الحياة في المخيم تنزع من الفتاة الكثير الكثير من حياتها، وتروي لنا كيف حملت من طفولتها الكثير الكثير، ما جعلها صلبة وجدية وغير معنية باللعب او اللهو مثل باقي جيلها.

ولدت جوسي من ام كولومبية ووالد فلسطيني وعادت الى الوطن بعدما اصبح عمرها 7 سنوات لتسكن مع عائلتها في مخيم الجلزون شمال مدينة البيرة. 

وقالت جوسي لـ "الحال": تمارس الفتيات لعبهن في الحارات وشوارع المخيم مع الفتيان لقلة المراكز والحدائق المتوفرة، ليكتسبن مهارات وقدرات الذكور في الركض والقفز وطريقة الكلام. ومثل باقي الفتيات، طفولتي كانت بين أزقة المخيم وكنت وصديقاتي نعيش تفاصيل الحارة والزقاق وتربينا على ألعاب غير ناعمة هناك.

وتضيف فرجس: بعد انقضاء فترة 6 اشهر على وصولنا المخيم دقت الانتفاضة الثانية ابواب البيوت الفلسطينية وسرقت الطفولة من أعين الاطفال، واتذكر عندما استشهد ابن جيراننا ثائر شلش واصيب ابن عم والدي وظل يعاني لمدة 12 سنة وبعدها استشهد. هذه هي الحياة في المخيم بشكل مختصر موت واستشهاد واصابة. 

وتتابع: الاطفال يتعلمون الركض ثم السباق لكي يفوزوا، اما اطفال المخيم، فيتعلمون الهروب من جيش الاحتلال لكي لا يتم اعتقالهم او قتلهم، وخلال الانتفاضة اقتحم الجيش المخيم ووقعت على الارض وأنا أركض، وكنت أرى بعيوني من أصابتهم الرصاصات المعدنية والحية في اقدامهم وراحوا يسقطون الواحد تلو الآخر.

"هنا الفرق بين من يركض ليلعب ومن يركض لينجو من الموت"، تقول جوسي وتدعو لتخيل شخصية كل فرد بناء على هذه التجربة.

وجوسي البالغة 23 عاما تدرس العلوم السياسية في جامعة أبو ديس وتعمل أيضا كمتطوعة بمؤسسة خالد بكير من اجل توعية الفتيات والفتيان من الجانب الاجتماعي والسياسي. وتعتبر ان عملها هذا مهم لإخراج فتيات المخيم من الحياة المنعزلة لينخرطن في المشاركة السياسية والمؤسساتية ليكنّ مؤثرات وفاعلات في مجتمعاتهن المهمشة.

 

"نعرف الفرح ونعرف الدموع أيضاً"

وتعترف هبة محمد عليان (24 عاماً) التي تعيش في مخيم قلنديا شمال القدس بتلك الصورة النمطية عن بنات المخيم، لكنها تقول عن نفسها إنها مليئة بالانكسارات والحسرات اليومية، ولكنها في المقابل تعيش لحظات الفرح كلما توفرت، وتمنح طاقتها المحبة لكل من تعرفهم وتقول إنها تمارس مهنة التمريض منذ سنين، وتعمل في مركز الراجحي بكفر عقب، واكتسبت هبة قلوب الاطفال وأهاليهم، وتقول إن قلبها يمتلئ بالسعادة عندما تمر من الشارع ويتعرف عليها اطفال واناس زاروا المركز الطبي. 

وتقول هبة انها كانت شاهدة على لحظات بكاء الكثيرين بسبب عملها كممرضة، فعندما عملت كممرضة في مستشفى رام الله الحكومي شهدت بكاء اهالي الشهداء عندما كانوا يكفنون وتوضع لهم الزهور على رؤوسهم، واستقبلت هبة زميليها في التخصص محمد عليان وبلال زايد شهيدين خلال انتفاضة الاقصى.

وترى هبة أن حياة المخيم مليئة بالحذر، وهو ما يصنع شخصية مرتبكة وحذرة ومتهيئة لكل ما هو خطر، فبعد عودتها من المناوبة الليلية او الصباحية، تتابع الاخبار للاطمئنان على ابناء المخيم وتسهر هي وصديقاتها على مواقع التواصل الاجتماعي لرصد اي حركة لجنود الاحتلال وتنبيه البقية، وهذا كما تقول يصنع بنتا قوية وحساسة وفاعلة ومشاركة في كل شيء.

وتستذكر لحظات عصيبة في حياتها عندما استشهد رفيق شقيقها ليث الشوعاني، وحسين ابو غوش، لتليها نكبة عائلتها باعتقال اخيها بتاريخ 19/7/2016 بعد مداهمة جيش الاحتلال للمخيم، ليحكم عليه 15 شهرا ويلتحق به بعد فترة شقيقه الاصغر الذي تم الافراج عنه بكفالة مالية، فيما تعد العائلة الايام لتحرر نجلها الاكبر.

تختم هبة بالقول: "لما الوحدة تفقد أخوها أو جارها بتنكسر، بس بنفس الوقت بتصير اقوى".

 

"فتيات ينقذن فتيات"

ولا تقبل الكثير من نساء المخيم البقاء في دور الضحية، فعبر اجيال تسجل حالات التميز، والتحول من دور المتلقية الى دور الفاعلة والمعطاءة، فهنادي رمضان التي بدأت عملها في خياطة الثياب بمخيم الدهيشة في بيت لحم وبعد تأسيس مشروعها الذي اخذ منها الجهد والوقت والى جانب تعلمها دبلوم تمريض، استمرت في مسيرتها لتساعد الفتيات اللواتي يعنفن من قبل الاسرة والمجتمع لتصبح اخصائية اجتماعية في مؤسسة "محور".

ولم تثنها أدوارها الاجتماعية عن ممارسة حياتها العائلية فكانت ربة منزل وسندا لزوجها عندما تعرض للاعتقال عدة مرات.

وتقر هنادي بان حياة بنات المخيم تختلف عن باقي الاماكن، فداخل المخيم تعيش البنت حياة ثورية ونضالية وتشارك في المسيرات التي تنطلق بشكل يومي، ولا يشكل اعتداء الجنود على الفتيات اية مخاوف على شخصياتهن، بل يدفعهن للمزيد من النضال والعناد والصمود. 

وتتذكر كيف اطلق عليها جنود الاحتلال الرصاص المطاطي لايقافها ولكنهم في كل مرة كانوا يفشلون، وبعد مرور ايام عديدة استطاع الاحتلال الامساك بها والتحقيق معها في المعتقل لمدة ثلاثة ايام ولكن لحسن حظها لاقت التفافاً شعبيّاً من كل أهل المخيم، وقالت إنها وجدت كل بيت من بيوت المخيم كان ينتظرها ويتضامن معها. 

ونقلت هنادي حبها لوطنها لابنتها تالا البالغة 19 عاما والتي التحقت بجامعة بيرزيت لتدرس تخصص قانون. وتقول تالا: "نفسي اعيش بنفس الفترة اللي عاشت فيها امي، هناك اختلاف كلي بين نضال المرأة بين الامس واليوم".

 

وراء كل امرأة عظيمة نفسها

وعلى عكس هنادي رمضان وهبة عليان، ترفض ديانا أصلان (24 عاما) الصورة النمطية التي تقول ان فتيات المخيم مكسورات او حزينات، وتقول ان ذلك لا يصور واقع فتاة المخيم، فهي منذ نعومة اظفارها قادرة على لعب دول الام والاخت والشريكة القادرة على اسناد كل افراد العائلة. وتستذكر كيف قامت بدور الام والشقيقة لأخيها الاسير فارس اصلان الذي تعرض لعدة اعتقالات.

وتتحدث ديانا بفخر عن والدتها امل، التي تشهد لها الاجيال المتتالية في التعليم، فأمل معلمة أعطت حنانها الذي أعطته لولدها فارس وبنتها ديانا الآلاف من التلاميذ في مدرسة بنات قلنديا، فربت أسرتها الخاصة وأسرتها الكبيرة ولم تكن ضعيفة في مواجهة أي ظرف في هذا الحياة القاسية. وتفخر ديانا بمسيرة والدتها وتقول إن وراء كل امرأة عظيمة هي نفسها، التي تنجح في إثبات قوة شخصيتها وقدرتها على التأثير على حياة الآخرين. 

 

أمهات أنجبن مشتبكين 

وترى سماهر مناصرة (40 عاماً) ان نساء المخيم انفطرت قلوبهن فاكتسبن القوة والجرأة. تقول لـ "الحال": "القسوة والذل الذي عشته اثناء طفولتي من شهداء واسرى واضرابات جعل مني امرأة اقوى".

وكانت سماهر شاهدة على مرور ثلاث انتفاضات متتالية، ليرتقي ابنها ليث الشوعاني شهيدا، خلال اشتباك مسلح دفاعا عن بيت الاسير محمد شاهين الذي كان منزله مهددا بالهدم بتاريخ 16/11/2015.

وكان ليث واحمد ابو العيش من أوائل الشهداء في مخيم قلنديا خلال الانتفاضة الاخيرة التي ارتقى واصيب فيها العشرات من ابناء المخيم، وتتذكر سماهر علاقتها وارتباطها بليث كصديق واخ  فهو بداية تكوين الاسرة وبداية الحياة بالنسبه لها، وتقول: "التقط ليث صورة له، وقال لي: عند استشهادي، أريدك ان تضعي هذه الصورة. وكبقية الامهات، غضبت عندما قال لي ذلك وأنّبته".

وتابعت: "شعور ليث المتواصل بانه سوف يرتقي دفاعا عن الوطن، جعله حريصا على إلقاء الدعابات وتجهيز نفسه لوداع اصدقائه واهله. ذهب ليث الى صالون الحلاقة وطلب من الحلاق ألا يعبث بذقنه، وعند انتهائه، ذهب لاصدقائه وسألهم: "أمانة ما هي تسريحة شهيد؟". وتناول طعامه ثم طلب من والدته ان تحضر له القهوة".

وتتابع: "ليث يحب القهوة باردة، جهّزتها له وخرج من البيت، ويا للاسف، بقي كأس القهوة ينتظره".

ورغم فاجعتها التي اصابتها بصدمة كبيرة، الا ان الحزن يولد قوة وجبروتاً، وهو ما وصفته سماهر قائلة: "كنت اعتقد انني من بعد ليث سوف تنتهي الحياة، لكنني ادركت ان الحياة بعده تتطلب المواصلة وبقوة".

 

  • طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018