"وتر باند".. سفراء الموسيقى من مدينة غزة

 

"هذه الذكرى بالذات لا يمكنني نسيانها: كان ذلك خلال مهرجان الموسيقى في مدينة "بلفور" الفرنسية عام 2012. حضرت ثلاثمئة فرقة من مختلف أنحاء العالم، وكنا نحن الفرقة الوحيدة التي مثلت فلسطين، كما سجل لنا بأن الحضور الأكبر كان عندنا"، صمت بعدها عازف الجيتار الكهربائي في فرقة "وتر باند"، محمد لوماني (38 عاماً)، قبل أن يكمل بالقول: "خلال عروض المهرجان، كان لفرقتنا، التي شاركت في المهجران مع مغنين فلسطينيين آخرين باسم "وحدة فلسطين"  Palestine Unit. كانت متعتنا بأن قدمنا أغانينا الفلسطينية أمام كل هؤلاء الناس وأسعدناهم بموسيقانا وعزفنا. لم نكن نتحدث الفرنسية التي كانت لغة جمهورنا، لكننا أوصلنا إليهم أجمل الأحاسيس ومثلنا بلادنا في ذلك المهرجان من خلال الموسيقى: تلك اللغة الكونية التي يفهمها الجميع". 

 

فرقة بلا اسم!

عام 2008، تعرف عدد من العازفين والموسيقيين في غزة بعضهم على بعض، قبل أن يبدأوا العزف في بعض الحفلات الفنية ولكن دون أن يكون لهم اسم. كان خميس أبو شعبان (28 عاماً)، العازف على آلة "الجيتار بيس" واحداً منهم، يقول: "عندما بدأنا نعزف في بعض الحفلات المحدودة، لم يكن لدينا اسم. بقينا كذلك إلى أن قررنا تسمية الفرقة باسم "وتر باند". أنا من أعضاء الفرقة المؤسسين وما زلتُ أعزف بها حتى اليوم، رغم كل انشغالاتي. جميع أعضاء فرقتنا مشغولون بأمور حياتهم اليومية إلى درجة كبيرة، لكننا نكافح من أجل استمرار الفرقة".

ضحك قبل أن يكمل: "أجلتُ موعد خطوبتي ليومين قبل سنوات بسبب حفلة لـ"وتر باند". تخيل وجوه أهلي وأهل خطيبتي (زوجتي الآن) عندما أخبرتهم أن السبب هو "حفلة موسيقية لفرقتي"! لستُ الوحيد الذي فعل ذلك، بل فعلها أيضاً أحد أعضاء فرقتنا الذي سافر معنا إلى فرنسا عام 2012، ولم يمضِ على زفافه إلا أسبوع واحد! كنا نحاول تقديم الفن الراقي وإسعاد الناس، رغم مشاكل حياتنا اليومية وانشغالاتنا، وقلة ما لدينا من الإمكانيات المادية والمالية".

 

السفر.. المشكلة الأساسية

عزفت فرقة "وتر باند" في قطاع غزة في العديد من المناسبات الموسيقية، على غرار "عيد الموسيقى" الذي نظمه المعهد الفرنسي بغزة عام 2014، و"مهرجان البحر والحرية" الذي نظمه "معهد إدوارد سعيد للموسيقى" بغزة بعدها بعام تقريباً، بالشراكة مع مؤسسات أخرى، مؤدية العديد من الأغاني الفلسطينية التراثية. لكن لوماني يعتبر أن النقلة النوعية في مسيرة الفرقة كانت من خلال انتقالهم للعزف في حفلات كبيرة ومهمة بأوروبا: "بخلاف فرنسا مثلاً، عزفنا في حفلات بمدن برشلونة ومدريد وبلباو الإسبانية، واطلعنا عن قرب على تجارب فرق موسيقية أخرى تختلف عنا في الثقافة والتجربة وطريقة الأداء، فضلاً عن متابعتنا لآليات وطرق تجهيز المسارح هناك خلال الحفلات، من حيث هندسة الصوت والإضاءة، وهي أمور تنقصنا بشدة في قطاع غزة، سواء من حيثُ الكفاءات البشرية أو المعدات".

حظيت الفرقة بالعديد من الدعوات للعزف في الخارج، إلا أن الفرقة لم تستطع الاستجابة لمعظمها بسبب الإغلاق شبه المستمر لمعبر رفح وعدم سماح السلطات الإسرائيلية لأعضاء الفرقة بالتنقل خارج القطاع، بحسب ما ذكره لوماني، الذي يتابع قائلاً لـ"الحال": "قدمنا لمرات عديدة من أجل العزف في حفلات موسيقية بالضفة الغربية ولكن دون جدوى. في أحسن الحالات، أعطيت تصاريح لجزء من أعضاء الفرقة دون البقية، ما اضطرنا للاعتذار عن تلبية دعوات لأية حفلات خارج قطاع غزة، رغم أنه قد جاءتنا عروض للعزف في حفلات بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، ولم نتمكن من حضور أي منها".

 

عقبات أخرى

إغلاق المعبر لم يكن إلا واحداً من تحديات جمة واجهت الفرقة، كما يقول أنس النجار (34 عاماً)، عازف آلتي البيانو والقانون في "وتر باند"، يقول عن هذه التحديات: "انشغالاتنا العديدة في أمور حياتنا اليومية والأسرية، واعتماد الفرقة على التمويل الذاتي، دون أي دعم خارجي، إضافة إلى نقص ساعات التيار الكهربائي التي جعلت التدرب على الآلات الموسيقية وتسجيل الأغاني عملية صعبة للغاية، إضافة إلى قلة الأماكن الملائمة التي يمكننا التدرب فيها على العزف. أذكر مرة بأننا تدربنا في بيت أحد أعضاء الفرقة، فأبلغ الجيران الشرطة عنا بسبب الإزعاج! كما أن وزارة الداخلية بغزة لا تمنحك التصاريح اللازمة لإقامة حفلاتنا بسهولة، إضافة إلى أن المسارح هنا أصلاً محدودة وصغيرة وتفتقر للتجهيزات، فأكبر مسرح في قطاع غزة يستوعب ثلاثمئة شخص فقط!". 

ورغم كل تلك الصعاب وغيرها، واصلت فرقة "وتر باند" مسيرتها. يكمل النجار: "أردنا من خلال فرقتنا إيصال رسالة للجميع بأن الشباب الفلسطيني في غزة يحبون الحياة ويحاولون الاستمتاع بها هناك رغم كل الظروف الصعبة والمآسي. عام 2009، وخلال العدوان على غزة وقتها، هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي المركز الثقافي للهلال الأحمر الفلسطيني بغزة، الذي كانت فرقنا وفرق أخرى تتدرب فيه وتحيي حفلاتها به، لتعزف فرقتنا على ركامه، مع فرق أخرى، عقب انتهاء العدوان. وقد أصدرنا مؤخراً إصداراً جديداً لأغنية "وين ع رام الله" بإمكانيات محدودة للغاية وعلى نفقتنا الخاصة، وبتضافر جهود جميع من شاركوا في إعدادها معنا الذين لم يتلقوا أية مبالغ مالية، من أجل تشجيعنا". 

ويتابع النجار: "إغلاق المعابر وعدم قدرتنا على السفر لن يوقفنا. إننا الآن نقدم إنتاجنا الموسيقي من خلال الانترنت كي نتمكن من التفاعل مع العالم وإيصال رسالتنا. وما آمله أن تستمر فرقتنا في إسعاد الناس هنا وتقديم الموسيقى الراقية لهم، وأن نتمكن من إيصال صورة الجميلة لبلادنا من خلال الموسيقى".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018