محمود دراغمة: عُمدة المعلمين ورفيق الصحف

 

تحتفظ تجاعيد وجه محمود حافظ دراغمة بسيرة ثرية لعميد معلمي طوباس، ويبدو الثمانيني صاحب الصوت الأجش حريصًا على لغة سليمة، وزيّ رسمي يلازمه منذ السادسة عشرة، فيما يعتز بتجربته الجوّالة بين فلسطين والأردن والسعودية والجزائر، وطالت لأربعة عقود. 

يقص بابتسامة: لست معلمًا فقط، وأنا زميل صحافي لكم، ورفيق الجريدة منذ ستين سنة. ولدت عام 1935، ودرست الرابع الثانوي في "الصلاحية" بنابلس، ونلت "التوجيهي" عام 1954، ثم توظفّت معلمًا مباشرة في مدينتي طوباس، والتحقت بدبلوم تأهيل المعلمين لسنتين، وواصلت التدريس فيها لحين ابتعاثي عام 1954 أربع سنوات للسعودية.

عاد دراغمة إلى الأردن، والتحق بالكلية الجامعية الإسلامية للتدريس، بعدها رجع إلى مسقط رأسه لسنة واحدة، ليُعاد ترشيحه لبعثة عام 1964 إلى الجزائر، ضمن سياسة التعريب بعد التحرّر من الاستعمار الفرنسي.

 

عُروبة ورواتب

يسرد: بدأت بتدريس الإنجليزية في فلسطين والأردن، وأكملت المهمة في مدارس الطائف بالسعودية، وعلّمت العربية في الجزائر، وعدت لتدريس لغة الضاد مرة أخرى، وانتسبت لجامعة بيروت العربية، وحصلت على شهادة في التاريخ والعلوم السياسية عام 1972.

بدأ راتب المعلم دراغمة بـ 15 ديناراً، ثم قفز إلى 20 مرة واحدة، وبعد النكسة صار 35، فتضاعف إلى 120 ديناراً، وكان الدينار الواحد، كما يقدره يساوي (20 ضعفًا بمقياس اليوم) إذ استطاع الدينار شراء كيلو من اللحم، وخضارًا، وفاكهة، وتموينيًا للسلع الأساسية طيلة أسبوع.

 

بذلات بالتقسيط!

يقول: الطريف أن البذلة الرسمية كانت بـ 12 دينارًا، وكنا نفصّلها بالتقسيط عند خيّاط مشهور في نابلس اسمه هارون الرشيد، ندفع دينارين كل شهر، ثم نبري ذمتنا. وبعض الخياطين كان يكتب (كمبيالات) على المشترين. أما دونم الأرض في موقع مهم بنابلس وعلى شارع رئيس، فلم يتعد ثمنه 80 دينارًا.

يتابع: خلال وجودنا في العاصمة الجزائرية، كنا نسكن في حي (مارينغو)، ونحصل على 75 دينارًا جزائريًا (أعلى من راتبنا قبل الابتعاث)، واعتدنا تدريس 18 حصة في الأسبوع، ولم يسمح لنا بالخروج من العاصمة، أو بتحويل الأموال إلى أهلنا. وكانت سنة جميلة، واكتشفنا مدى حب الجزائريين لنا، ولمسنا الفارق في التطوّر، إذا كانت المباني متقدمة أكثر منا، لكن الاستعمار دمّر البنية التحتية قبل رحيله.

حرص الراوي منذ التحاقه بسلك التعليم على عادة قراءة الصحف، وعاش معها أحداث كبيرة لا زال يسردها، كالعدوان الثلاثي على مصر (1956)، ونكسة حزيران (1967)، وحرب أكتوبر (1973)، وأحداث أيلول (1970)، والحرب العراقية – الإيرانية (1980-1988)، وحرب لبنان ومجازر صبرا وشاتيلا (1982)، وانتفاضة الحجارة (1987)، وما أعقبها من حروب واغتيالات وأحداث كبرى.

 

قارئ وكاتب

يقول: كنت اشترك في الصحف شهريًا، وتنقلت بين "القدس" و"المنار" و"فلسطين" و"الجهاد"، و"الشعب" و"الفجر" و"النهار"، واقتنيت "البيادر السياسي"، وكتبت في "القدس" السياسة والتاريخ، وبعد تدخل الرقابة العسكرية، والاعتذار عن عدم نشر مقالاتي، تحولت إلى الشؤون الدينية، في الصحيفة ذاتها، وكنت أحصل على 25 دينارًا بدل نصوصي. وكتبت في مجلة "أمجاد"، وأداوم على مراسلة  مجلة "الإسراء" لدار الفتوى، منذ عشر سنوات.

لا يحتفظ المعلم والكاتب بالصحف التي قرأها طيلة سنواته، ويتخلى عن المقالات المنشورة التي أنجزها، فهي كما يقول تحتاج إلى مستودعات كبيرة، وتعجز البيوت الضيقة والمكتبات الصغيرة جدًّا عن استيعابها، فكان يتبرع بها لمن يطلبها.

تقاعد الراوي رسميًا عام 1988 عن التدريس، وواصل شغف القراءة والكتابة الصحافية، لكنه واصل العمل عدة سنوات في مدارس خاصة بنابلس، وتوقف عن التعليم لتراجع صحته وضعف سمعه. ومن الأحداث التي لا ينساها دخول التيار الكهربائي إلى طوباس سنة 1962، وحصوله على هاتف برقم واحد في الستينيات، ويومها لم يكن في طوباس غير باصين وخمس سيارات. ولم يتأخر في حياته عن دوامه المدرسي.

 

6 بنات معلمات

تزوج دراغمة مرتين، الأولى عام 1964، والثانية بعد وفاة رفيقة دربه عام 1972، وهو أب لسبعة أبناء و8 بنات، كلهم أكملوا تعليمهم العالي بين الهندسة والطب، واللافت وجود 6 معلمات ومحاضرات بين بناته الثماني هن: سهاد، وربى، ومنار، وصفاء، ونسرين، ورانيا.

ينهي: عملت معلمًا مع الذين درسوني، وتوفي معظم الذين تتلمذت على أيديهم، واليوم أنا عميد المربين في طوباس كلها، ولا أنسى أساتذتي الذين أثّروا فيّ: عمي المرحوم عبد الفتاح، وسامي الوظائفي، وإسماعيل الخطيب، والمدير حسن الحاج إسماعيل، وتأثرت بأسلوب عباس العقّاد وطه حسين، وأحمل اليوم هاتفًا جوالاً، وما زلت أحرص على الخط الأرضي.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018