المصالحة.. "التانغو" الفلسطينية بحاجة إلى أكثر من راقصين لإتمامها

 

يبدو اتفاق المصالحة الجديد الذي توصلت إليه مصر في حوارها مع  حركتي "فتح" و"حماس" في القاهرة، خطوة إلى الأمام، لكن لا يوجد الكثير من الاشارات على انه لن يلاقي مصير الاتفاقات العديدة السابقة التي توصلت إليها الحركتان، في السنوات العشر الماضية، في جغرافيا الوطن  العربي.

وجرى التوصل الى هذا الاتفاق، إثر حدوث تغيرات جوهرية في خريطة المصالح لدى الاطراف المؤثرة في المصالحة، لكن السؤال الكبير هو: هل وصلت هذه التغيرات لدى مختلف الاطراف الى درجة كافية لانهاء الانقسام الفلسطيني المتواصل منذ اكثر من عقد من الزمن؟!

الجهة الاولى التي تغيرت مواقفها وخريطة مصالحها هي حركة "حماس" التي وافقت على جميع شروط حركة "فتح" المتمثلة في: حل اللجنة الادارية، وتمكين الحكومة من تولي صلاحياتها في القطاع، والموافقة على اجراء الانتخابات العامة.

ودأبت حركة "حماس" على ربط موافقتها على الشروط الثلاثة هذه، بشروط عديدة، منها الغاء جميع الاجراءات التي اتخذتها السلطة في غزة، من تقليص رواتب، واحالة آلاف الموظفين الى التقاعد، وتقليص المبالغ المدفوعة للكهرباء وغيرها، وبقاء الموظفين في مواقعهم في الوزارات والمعابر، ودفع رواتبهم.

لكن تغيرات اقليمية ومحلية وداخلية دفعت "حماس" الى تغيير موقفها.

إقليميّاً، تراجعت مكانة ودور حلفاء الحركة من احزاب "الاخوان المسلمين" الى قطر وتركيا.

ومحليّاً، لم تعد الحركة قادرة على مواجهة المشكلات المتنامية والمتفجرة في قطاع غزة، خاصة المعابر المغلقة منذ عشر سنوات، وتراجع الكهرباء واقتراب نفاد مخزون المياه الجوفية الذي تتوقع الامم المتحدة ان ينتهي في غضون ثلاث سنوات، وتنامي معدلات البطالة والفقر وغيرها.

وداخليّاً، شهدت حركة "حماس" تطورين مهمين: الاول، وصول قيادة جديدة للحركة، مركزها قطاع غزة، وثانيهما تبني الحركة وثيقة سياسية جديدة اعادت فيها تعريف نفسها على انها "حركة تحرر وطني فلسطينية ذات مرجعية اسلامية"، بعد ان كانت تعرف نفسها، في ميثاقها القديم، على انها "فرع الاخوان المسلمين في فلسطين".

وفتح هذا التطوران الطريق لانفتاح مصر على الحركة بعد ان كانت تعتبرها عدوا، كما هي جماعة الاخوان المسلمين المصرية. ورأت مصر في القيادة الجديدة للحركة في غزة، طريقا مهما لاعادة العلاقة معها بعيدا عن تأثيرات قطر وقيادة الحركة القديمة المتواجدة في العاصمة القطرية.

وقال مسؤولون في "حماس" ان المبادرة الى الموافقة على شروط الرئيس محمود عباس الثلاثة، جاءت من الحركة، وتحديدا من رئيس المكتب السياسي في قطاع غزة يحيى السنوار المعروف بمبادارته الجرئية ونيته التخلص مما يسميها "اعباء الحكم" في غزة، واعادة "حماس" الى مكانتها السابقة "حركة مقاومة".

وقال المسؤول الجديد لملف المصالحة في "حماس" حسام بدران، ان الحركة قررت تسليم جميع المؤسسات والهيئات والدوائر الحكومية والمعابر الى حكومة الوفاق الوطني. واضاف: "اعطينا تعليمات لجميع المسؤولين في الوزارات والمعابر والهيئات الحكومية بالتعاون التام مع الحكومة لتمكينها من اداء عملها في غزة، بما في ذلك وزارة المالية وجهاز الامن الداخلي والشرطة". ومضى يقول: "يمكن للحكومة ان تتسلم وزارة المالية، لكن في هذه الحالة سيكون عليها دفع رواتب الموظفين، لانه لا يمكن للموظفين الاستمرار في  العمل والحياة دون تلقي رواتبهم، وفي حال ارادت تأجيل ذلك لحين الاتفاق على الوضع النهائي للموظفين، فنحن نقبل ذلك".

وفي شأن الأمن، قال المسؤول: "نحن مستعدون لتسليم جهاز الامن الداخلي والشرطة فورا، لكن السؤال: هل يمكن للحكومة ادارة الأمن في غزة؟". واضاف: "اذا ارادت الحكومة ادارة الامن فلتتفضل، سنسلمها اجهزة الامن، لكن اذا ارادت العمل وفق اتفاق القاهرة الموقع عام 2011، والذي ينص على وجود فترة انتقالية تتولى خلالها اجهزة الأمن الحالية في غزة العمل لمدة عام، لحين الاتفاق على الترتيبات الجديدة المشتركة، فنحن نرحب بذلك ايضا".

والطرف الثاني الذي غير مواقفه، وجعل الاتفاق ممكنا هو مصر. ويرى مراقبون ان مصر تحاول العودة الى لعب دور اقليمي، من البوابة الفلسطينية، بعد تراجع ادوار الاطراف الاقليمية المنافسة، خاصة تركيا وقطر.

ولا تخفي مصر وجود مصلحة امنية لها في استقرار الاوضاع في قطاع غزة التي شكلت في السنوات الاخيرة "باحة خلفية" للجماعات الجهادية في سيناء.

ويعترف مسؤولون في "حماس" بانهم استقبلوا في غزة عشرات المقاتلين في سيناء "لاغراض العلاج" بعد تعرضهم لاصابات في معارك مع الجيش المصري. لكن الحركة اغلقت كافة المنافذ مع مصر، واقامت منطقة امنية عازلة، بعد التوصل الى تفاهمات امنية مع مصر.

ويقول المسؤولون المصريون ان كل خطوة تحدث في غزة تؤثر على الامن القومي المصري.

وقال دبلوماسي مصري ان مصر سارعت الى تزويد قطاع غزة بالوقود، بعد اجراءات السلطة الاخيرة في القطاع، ليس بهدف دعم حركة "حماس" وانما انطلاقا من قلق مصر من تحول قطاع غزة الى "دفيئة للارهاب". واضاف: "اي تدهور في قطاع غزة سينعكس فورا على قطاع مصر".

وتوصلت مصر مؤخرا الى تفاهمات امنية مع حركة "حماس"، واخرى سياسية بين "حماس" والنائب محمد دحلان. واثمرت هذه التفاهمات عن لعب "حماس" دورا مباشرا في الحرب التي تشنها مصر على الجماعات المسلحة في سيناء، وعن شروع "حماس" ودحلان في عملية مصالحة مجتمعية تمولها الامارات العربية المتحدة، الخصم اللدود للسلطة الفلسطينية. ويصف المسؤولون في "حماس" العلاقة مع مصر اليوم بأنها "استراتيجية"، رغم ان الاخيرة تواصل شن الحرب على جماعة "الاخوان المسلمين" في البلاد.

ويعزو خبراء في الشؤون المصرية تحرك مصر لانهاء المصالحة، رغم التفاهمات التي توصلت اليها بين مصر ودحلان، الى عاملين: الاول عودتها للعب دور اقليمي، بعد تراجع خصوصمها الاقليميين، قطر وتركيا، وثانيا، قلقها من ان تؤدي التغيرات في غزة، عقب هذه التفاهمات، الى انفصال تدريجي لقطاع غزة عن الضفة الغربية.

وتشير بعض المصادر الامريكية الى  نية الرئيس دونالد ترامب التوصل الى اتفاق سلام اقليمي في المنطقة تلعب فيه مصر دورا جوهريا. وقالت هذه المصادر ان حل القضية الفلسطينية يشكل جوهر اي سلام اقليمي، وان مصر لا يمكنها القيام بهذا الدور قبل توحيد الفلسطينيين.

اما الطرف الثالث الذي تغيرت خريطة مصالحة، فهو السلطة الفلسطينية التي تسعى الى توحيد الفلسطينيين بهدف تعزيز موقفها السياسي للمرحلة المقبلة، سواء نجحت المفاوضات ام فشلت. ففي حال نجاح المفاوضات، فان اي حل سياسي يقتضي وجود وحدة بين الضفة وقطاع غزة. وفي حال فشل هذه المفاوضات، كما هو متوقع، فان توحيد الضفة والقطاع سيشكل عنصرا مركزيا في إرث الرئيس محمود عباس.

واتخذت السلطة في الشهور الاخيرة سلسلة اجراءات في غزة، يقول المسؤولون انها جاءت بعد عينت "حماس" لجنة لادارة قطاع غزة، بهدف اجبار الحركة على حل هذه  اللجنة التي اكتسبت صفة قانونية من خلال عرضها على المجلس التشريعي للمصادقة عليها.

لكن السلطة لم تبادر الى إلغاء اجراءاتها في القطاع بعد حل اللجنة الادارية الأمر الذي أثار اسئلة حول نيتها الحقيقية. ونقل مسؤولون عن الرئيس محمود عباس قوله في اجتماع اللجنة المركزية لحركة "فتح" الاول عقب قرار "حماس" حل اللجنة الادارية: لننتظر ماذا سيفعلون مع الحكومة عندما تذهب الى غزة، ثم نقرر".

وشكل تسلم الحكومة الفلسطينية الوزارات والهيئات الحكومية والمعابر خطوة اولى على طريق انهاء الانقسام، لكن الملفات الكبرى ما زالت قائمة، خاصة الموظفين والامن والسلاح والمال العام، وربما يتسبب الخلاف حول اي منها انهيار هذه الجولة، كما انهارت جولات المصالحة السابقة.

وتقول حركة "فتح" انها تسعى الى مصالحة تقود الى توحيد السلطة واجهزة الامن، وفي مراحل لاحقة حل التشكيلات العسكرية وصولا الى معادلة: رجل امن واحد وبندقية واحدة وسلطة واحدة.

اما "حماس" فتطالب باستيعاب موظفيها، وعددهم 40 الفا، في السلطة، مع بقاء جناجها العسكري في مواقعه.

وترى "فتح" في ذلك معادلة غير مقبولة، شبيهة بالمعادلة اللبنانية، حيث السيطرة على الارض لحزب مسلح (حزب الله) بينما تتولى الحكومة دفع فاتورة الخدمات.

وأمام ذلك فان السؤال المركزي الذي يواجهنا هو: هل يمكن للطرفين التوصل الى صيغة مشتركة تسمح لـ"حماس" الاحتفاظ بجهازها العسكري، تحت الارض، بينما تتولى السلطة ادارة شؤون البلاد والعباد فوق الارض؟ على ان يكون قرار الحرب والسلام قرارا جماعيا؟؟

المؤكد ان هناك فرصة اكبر هذه المرة للتوصل الى اتفاق ينهي الانقسام ويحقق الشراكة السياسية، لكن ذلك يعتمد بدرجة كبيرة على نوايا كل طرف من الاطراف الثلاثة المنخرطة فيها (حماس وفتح ومصر)، ففي حال كانت نية اي طرف من هذه الاطراف الدخول الى المصالحة من باب المناورة، والانسحاب منها في اي محطة قادمة، تحت اي ذريعة، فانه يستطيع ذلك وعندها ستنهار كما انهارت سابقاتها، فرقصة التانغو الفلسطينية في حاجة الى اكثر من راقصين اثنين لإتمامها.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018