العم أبو سامر.. 50 عاماً من النضال و20 عاماً دون عائلة

 

يعيش حسن حمايل (أبو سامر) البالغ من العمر (70 عاماً) وحده في بيت صغير بقريته كفر مالك، ولدى زيارته في منزله، تظن للوهلة الاولى انه مقطوع من شجرة، فلا زوجة في بيته ولا احد من أولاده او أحفاده حوله، ولكن عندما تلتفت الى جدران منزله القديم، تجد عدة صور، وعندما تسأله من هؤلاء؟، يحني رأسه وتنزل دمعته ويقول هذه زوجتي وهؤلاء أولادي وأحفادي الذين لم أرهم ولم ألتقِ بهم منذ 20 عاماً والسبب هو الاحتلال.

جريدة الحال زارت "العم أبو سامر" في منزله لتتعرف على قصته وعلى عمره الذي أفناه ما بين الجبال والحدود والسجون الاسرائيلية والعربية في رحلة نضال طويلة انتهت بعودته وحيدا الى أرض الوطن وبقاء عائلته في سوريا حيث الحرب والمآسي.

 

كفاح مسلح

عندما كان حسن حمايل في التاسعة عشرة من عمره عام 1966، التحق بالكفاح المسلح من اجل تحرير فلسطين، وكان يقوم بالعمليات السرية على الحدود والمعسكرات الاسرائيلية، ولكنه لم يسلم من ايدي الاحتلال، وتم اعتقاله عام 1967 عندما كان ذاهبا مع والده الى اريحا، والده لم يقف مكتوف الايدي، بل رفض وصرخ على جنود الاحتلال بسبب اعتقالهم لنجله حسن ولكن تم اعتقال الوالد ايضا.

وتابع حمايل سرد قصته: "تم تعصيب عيني واقتادوني في طريق مجهول، وبعدها لم اعرف في اي سجن انا، تحول القميص الذي ارتديه من أبيض لأسود، أمسي وأصبح على تحقيق ضابط المخابرات، لا ماء للاستحمام، لحيتي طويلة، لا تدفئة في ظل جو بارد قارس، شرعوا بتعذيبي نفسيا، تلقيت تهديدات وشتائم من كل الاصناف.

وأضاف: "بقيت مسجوناً لمدة أربعة أشهر، وأنكرت التهم التي وجهها لي ضابط المخابرات من ذهاب للأردن والقيام بتدريبات عسكرية، فلم يكن لديهم أي دليل وقلت للمخابرات: أتحداكم ان تأتوا بالرجل الذي قال لكم إننا كنا نقوم بتدريبات عسكرية، قالوا لنا: سيتم الافراج عنكم. وخرجنا في جو شديد البرودة، وكان الجيش والحرس يحيط بنا، سار بنا الطريق ولم أكن أعلم أني أسير على طريق لإبعادي عن وطني، أدركت حينها أن الجيبات تسير بنا نحو الشرق أي الى الاردن في حين ان الضابط قال لنا انه سيتم الافراج عنكم، قلت للجندي الذي كان فوق رأسي الى اين نحن ذاهبون، صوب سلاحه نحوي وقال "اخرس.. أنت مخرب وبدك طلقة في نص راسك". توقفت جيبات الاحتلال العسكرية التي كانت تقلنا، وتم إنزالنا منها حيث كان برفقتي ما يقارب 15 شخصاً، وقال الضابط: أنتم من هذه اللحظة مبعدون ويجب التوقيع على خروجكم. رفضت التوقيع وتم تهديدي بقتلي وإلقائي في النهر، كنت كحجر الصوان لا أشعر ولا أخاف، رفضت التوقيع وتم إخراجي قسرا".

 

حياة كلها حدود وبلا هوية 

وتابع: "وصلت الأردن، لم أعرف أحداً، كان الجو بارداً، والظلام دامساً، أتكلم مع نفسي ولم أصدق ما الذي يجري، ذهبت إلى أحد أقاربي في الاردن ومكثت عندهم، وفي عام 1970 طلبت مني المغادرة الى سوريا من أجل التدريب على أسلحة جديدة وتطوير قدراتي العسكرية، وصلت سوريا والتقيت هناك بالشهيد ياسر عرفات، وبعدها طلب مني الذهاب للجزائر من اجل القيام بدورة عسكرية وشاركت بعدها في حرب تشرين عام 1973.

وعام 1980، ذهب الى الباكستان والتحق بدورة عسكرية مكثفة، يقول: "اكتسبت خلالها الكثير من المهارات والخبرات السياسية والعسكرية بالاضافة الى عدد آخر من الدورات، ثم درست تخصص العلوم السياسية في بلغاريا، لأعود بعدها إلى سوريا عام 1981 وتزوجت من فتاة وأنجبت منها ولدين وبنتاً، ونظراً لطبيعة العمل النضالي كنت أغيب عنهم لفترة طويلة، لتكون آخر مرة ألتقي بهم عام 1992.

شاركت في القتال خلال حصار بيروت عام 1982 وتم قصف المقرات، وتعرضت لإصابة حينها ومكثت بالمشفى مدة ثلاثة اشهر.

 

أخيراً في الوطن

بعد توقيع اتفاقية اوسلو، توجهت أنظاري نحو ارض الوطن وكيف يمكن العمل على العودة اليها بعد ابعادي عنها قسرا عام 1967، وبعد عدة اتصالات مع القيادة الفلسطينية، طلب مني المجيء الى الاردن لتكون العودة اقرب واسهل، فذهبت حينها من لبنان الى سوريا ثم تهريبا الى الاردن، وكأني بضاعة مهربة على الحدود، ولكن لا بديل عن ذلك للوصول الى ارض الوطن، وفور وصولي الى الاردن ذهبت الى القنصلية الفلسطينية، لكنهم لم يستطيعوا عمل أي شيء، وبعدها تم اعتقالي من قبل المخابرات الاردنية، وتم سجني لمدة شهرين، ثم ابعادي الى الحدود السورية، وخلال تنقلي بين الجبال في الجو البارد تذكرت عندما تم ابعادي عام 1967، وكأن ذات المشهد يتكرر بعد اكثر من عشرين عاما، ولكن بظروف مختلفة والفاعل هنا ليس الاحتلال بل الحكومات العربية.

وعند وصولي الى سوريا تم اعتقالي من قبل الامن السوري، وتم سجني عاما كاملا واصبحت ككرة الطائرة التي تتلاعب بها الحكومات العربية، ولا ذنب لي سوى أنني فلسطيني ناضل وتم ابعاده من ارضه قسرا، ولم تعلم عائلتي أين أنا، وماذا حدث معي، وهل ما زالت على قيد الحياة ام لا. وخلال فترة مكوثي في السجون السورية، شرعت في إضراب عن الطعام لمدة أربعة عشر يوما من اجل الافراج عني، ليتم بعدها ابعادي الى الحدود الاردنية، وصلت الى الاردن ومكثت فترة طويلة، وبعد عدة محاورات مع القيادة الفلسطينية والوفد الفلسطيني بالأردن، تم تسجيلي في مؤتمر حركة فتح، وبعدها استطعت العودة الى ارض الوطن عام 2009.

وصلت أرض الوطن ووصلت قريتي كفر مالك التي لم أرها ولم أر أهلها منذ فترة طويلة، استقبلني الاهالي بالأغاني والتهاليل، شعور لا يوصف والفرحة تغمرني ولكن من يعلم ما في داخلي، فرغم عودتي الى ارضي وخلاني، الا ان الفرحة لم تكتمل بعد، زوجتي وابنائي ما زالوا في المنفى وعدت وحدي كما خرجت قسرا، اعيش وحيدا بلا عائلة في وطني، ولكنني املك املا في ان ألتقي عائلتي يوما ما.

 

  • طالب في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018