"أحمي حقي".. أطفال غزيون يراسلون مؤسسات دولية

 

أطفال لم يتجاوز أكبرهم سنًا الخمسة عشر عامًا يناظرون صناع القرار ويتواصلون مع المؤسسات الدولية الحقوقية الفاعلة؛ ليرفعوا أصواتهم إلى كل أرجاء العالم مستعرضين ما تتعرض له الطفولة في غزة من انتهاكات وجرائم تنافي كل شرائع العالم وقوانينه، يرصدون الانتهاكات، يوثقونها بالقلم والصورة ويناقشونها، كما يتعرفون على الحقوق التي تمنعنها وتحميهم، وذلك في مشروع "أحمي حقي" بإشراف من المركز الفلسطيني لحل النزاعات.

الطفلة وسام درويش (15 عاما) من مخيم "المغازي" وسط قطاع غزة، أحد أعضاء التحالف في مشروع "أحمي حقي" تقول: "انضممت للمشروع منذ لحظة انطلاقه بهدف إيصال معاناة الأطفال مثلي للعالم، واستطعنا من خلال طرق رصد وتوثيق الانتهاكات عمل المبادرات التي تساند هؤلاء الأطفال وتدعمهم".

وتواصلت درويش وأعضاء التحالف مثلها مع الكثير من الأطفال واستمعوا لمشاكلهم، توضح: "تعرفنا على أسرار طفولتهم المسلوبة وعلى الحقوق التي تحميهم ورفعنا صوتهم لصناع القرار، وكم كانت تغمرنا السعادة عندما نقدم لهم المساعدة على اختلاف طبيعتها مادية أو معنوية أو نفسية، كلٌ حسب حالته".

انطلق مشروع "أحمي حقي" عام 2015 وهو مستمر لنهاية 2018، أما التطور الحاصل على نطاقه حاليًا، تبينه درويش: "توسع العمل وأصبح المشروع يغطي أكبر نطاق من الأطفال المنتهكين ويُعرف أكبر قدر ممكن منهم على حقوقهم وكيفية المطالبة فيها، ولم يكتفِ بعدد محدد أو طبيعة معينة من الانتهاكات، فاليوم لدينا راصدون في كافة أرجاء قطاع غزة".

وعمل المشروع على صقل شخصية هؤلاء الأطفال ولم يشغل من وقتهم الدراسي الأكاديمي، تقول: "الاستفادة كانت كبيرة على جانبين: الأول خبرة وخوض تجارب جديدة وتعرف على أشخاص من كافة القطاع؛ ما دعم شخصيتي ومنحني الجرأة والقدرة للحديث مع صناع القرار مقابل مرونة الحديث مع الأطفال وعرض انتهاكاتهم أمام الجميع بشكل صريح وعلني. أما الثاني، فقد ساهمت مشاركتي بالمشروع في إثراء دراستي المدرسية بجعلي أكثر قدرة على التحدث وفتَح مداركي الذهنية لاستيعاب المنهج الدراسي، وعمل على زيادة مشاركتي في الأنشطة المدرسية المختلفة".

وقد تم تحضير هؤلاء الأطفال بدءًا وتدريبهم بشكل جيد؛ ليتمكنوا من الحديث مع نفسيات الأطفال المنتهكين المختلفة، من خلال تلقي محاضرات في آداب الاتيكيت والبروتوكول لأن الحديث مع طفل عامل يختلف عن طفل معاق وعن طفلة تزوجت مبكرًا وأخرى تعرضت لعنف مدرسي، هذا ما أكده الطفل طيب أبو عواد (14 عاما) من شمال قطاع غزة.

يقول: "كان تجاوب وتفاعل الحالات المنتهكة أكثر من رائع معنا كأطفال، فقد حاولنا الابتعاد عن النظامية والرسمية والرتابة في الحديث مع إضفاء أجواء من الدعابة، وتحدثنا كإخوة وأصدقاء، ما مكنهم من الحديث بأريحية وبوح كل ما يجول في خواطرهم".

أعضاء "أحمي حقي" لم يتوقفوا عند رصد وتوثيق الانتهاكات، وانما يبعثون رسائل لمنظمة حقوق الإنسان العالمية والتواصل مباشرة معها، والمشاركة في مؤتمرات لإيصال صورة حياة الطفل الغزي منها مؤتمر مع الضفة الغربية، وكذلك عرض بعض الحالات المنتهكة لمؤسسة Save the children، وفقًا لأبو عواد.

وبالإضافة للمعلومات القيّمة التي حصل عليها هؤلاء الأطفال من التعرف على المصطلحات القانونية وأدوات الرصد والتوثيق خلال مشاركتهم الفاعلة والمستمرة في المشروع، إلا أنه كان هناك خبايا أخرى، يقول أبو عواد: "اكتسبنا العديد من المهارات والخبرات من لحظات عابرة فتطورت شخصياتنا وأصبحنا أكثر قيادية ومرونة واطلاعاً". 

وبالحديث مع منسق مشروع "أحمي حقي" المحامي يوسف سالم من المركز الفلسطيني لحل النزاعات، بتمويل من مؤسسة انقاذ الطفل الدولية، أوضح أن المشروع يتضمن تشكيل مجموعات لرصد وتوثيق انتهاكات حقوق الأطفال من الأطفال أنفسهم. 

وخلال المشروع تم تشكيل أكثر من 50 مجموعة راصدة في كافة محافظات قطاع غزة، تتكون الواحدة من 25-30 طفلاً انبثق عن هذه المجموعات جسم يمثلهم يُسمى "تحالف رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الأطفال"، ويشتمل الجسم على 30 طفلاً من فئة عمرية "11-16 عاماً" من المتميزين النابغين في قطاع غزة بحيث يقومون بإعداد تقارير توثيقية لرصد الحالات التي تصل إليهم فيما يتعلق بأي انتهاك من انتهاكات الطفولة ويتم تجميع التقارير وتحليل البيانات الواردة فيها والخروج نهايةً من خلالها بمجلة "تمكين".

وأفاد سالم أنه تم تدريب الأطفال على اتفاقية حقوق الطفل الدولية 1989، وقانون الطفل الفلسطيني، والقوانين الأساسية التي تخدم الطفولة، وعلى آليات رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الأطفال بشكل معمق، واستخدام أدوات الرصد والتوثيق ككيفية كتابة التقارير واستعمال الكاميرات والمسجلات وتوثيق المعاناة والقصص من خلال أفلام، كتصوير فيلم كامل عن طفل يعاني عمالة الأطفال.

ويحتوي المشروع على أنشطة متعددة أهمها المبادرات التي يقوم بها الأطفال، يقول سالم: "على مدار الأعوام الماضية طرح الأطفال القيام بأنشطة منها بطولة كرة القدم للأطفال النازحين جرّاء عدوان 2014، ومبادرة تدعم الأطفال الموهوبين رياضيًا في لعبة الباركور والألعاب الاستعراضية".

وغالبًا ما يُحدث أعضاء التحالف اختراقا إيجابيا خلال لقاءاتهم مع المسؤولين تتناول أهم الانتهاكات التي تقع عليهم، منها "الشنطة المدرسية الثقيلة"، فقد عقدوا اجتماعاً مع مسؤولي وزارة التربية والتعليم بغزة، أعقبه قرار يقضي بوجوب امتلاك الطفل من الصف الأول إلى الرابع الابتدائي 4-5 كتب كحد أقصى؛ للحفاظ على سلامة عموده الفقري.

وقد وفروا فرص عمل بسيطة لأولياء أمور بعض الأطفال العاملين في القطاع العام قبل الماضي، وتمكنوا من مساعدة مرضى الكلى من الأطفال العام الماضي، وحاولوا الحدّ من ظاهرة الزواج المبكر هذا العام، وحاليًا، هم بصدد استهداف أطفال منطقة القرية البدوية "أم النصر" المهمشة والتي تحتوي على برك تجميع مياه الصرف الصحي وتنتشر الأمراض فيها بشكل كبير.

وأكد سالم أن الأطفال تفاعلوا بشغف كبير خلال المشروع وكانت لديهم رغبة قوية بإظهار الوجه غير المشرق لقطاع غزة الخاص بانتهاك حقوقهم، يقول: "نأمل أن يصل صوت "أحمي حقي" للمؤسسات الدولية، وأن يصبح الأطفال مشاريع لحماية حقوق الطفل والإنسان في فلسطين والعالم".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018