"نبش القبور".. وظيفة شتوية مسائية بحثاً عن كنوز "الأولياء"

 

 

خلال النصف الأول من العام الحالي، استيقظت محافظة سلفيت على سلسلةٍ من عمليات الاعتداء على المقامات الدينية ونبش القبور، التي تعود بغالبيتها لـ"أولياء صالحين". مسلسل انتهاك حُرمات القبور بدأ أول مشاهده قبل عاميْن في بلدة دير استيا شمال غرب سلفيت، حين أقدمت جهة مجهولة على اقتحام مقام الشيخ خاطر، وتدمير الضريح بداخله، وفي هذا الصدد، ينوّه عضو بلدية دير استيا نظمي سلمان إلى أن مقام الشيخ حسين بالمنطقة الغربية من البلدة كان هو الآخر من أولى المحطات المستهدفة قبل سنواتٍ طويلة، مع أنه لا يضم ضريحاً.

وفي تفاصيل الحادثة الأولى قبل عامين، يشرح السلمان: "عام 2015 اكتشفت واقعة الاعتداء على مقام الشيخ خاطر في المنطقة الشرقية، وكان الوقت متزامناً مع الأحوال الجوية الماطرة والعاصفة، وتم تحطيم الضريح الموجود داخل المقام، وحُفرت أرضيته".

 

ليست حالة يتيمة

في ذات الظروف المناخية السائدة ولكن بفارق نحو عامٍ واحد، عاد عنوان الاعتداء على القبور والأضرحة ليتصدر الواجهة مجدداً، حيث يوضح رئيس بلدية ديراستيا سعيد زيدان أن بعض الأهالي اكتشفوا عمليات حفر في مقام "إستيا" الواقع في فناء المسجد الغربي، حيث توجد مجموعة قبور في ذات المكان، مشيراً إلى العثور على معدّاتٍ للحفر تركها الفاعلون، من بينها وعاءان بلاستيكيان لنقل الأتربة، وفأس ومجرفة، إضافة لريشة مقدحٍ آلي.

ويضيف زيدان: "اكتشف الحفر مساء التاسع عشر من كانون الأول 2016، ولم يتركز في بقعة واحدة، بل امتد ليطال أربعة قبورٍ بدائرة قدرها بضعة أمتار، وبعمقٍ يزيد على مترٍ ونصف المتر".

يُذكر أن قبر "إستيا" يعود عمره لنحو قَرنيْن من الزمان "200 عام"، وترجّح إحدى الروايات التاريخية أن بلدة دير استيا أخذت من صاحب القبر تسميتها، كما تشير ذات الرواية إلى أن "إستيا" هو قائد كتيبة مملوكية قاتل في البلدة وأستشهد، ودُفن في فناء المسجد الغربي.

مضى أقل من شهرٍ أو ستةٍ وعشرين يوماً تحديداً على حادثة الحفريات في قبر "إستيا"، لتعود الحفريات مجدداً ولكن هذه المرة كانت الوجهة قرية حارس المجاورة، حيث يؤكد مدير السياحة والآثار في سلفيت منتصر موسى أن مجهولين حفروا أحد القبور بجانب مقام ديني يسمّى "أبو عبد الله"، لافتاً إلى أن الحفر استهدف جزءًا من القبر بعمق نحو نصف متر.

بعد مُرور نحو 48 ساعة فقط على نبش القبر في قرية حارس، كانت المفاجأة باستهداف مقام عمرو بن العاص في بلدة قراوة بني حسان، "مجهولون حفروا ليلاً المقام، واكتشف بعض الأهالي الحادثة صباحاً، حيث أخبرني الأهالي بعثورهم على حجارة تم نبشها، وكومةٍ من التراب"، وفق رئيس بلدية قراوة بني حسان السابق عزيز عاصي.

تجدر الإشارة إلى أن محافظة سلفيت تضم نحو 140 معلماً أثرياً، تعود لحضاراتٍ متعاقبةٍ وأزمنةٍ متفرقة، بعضها غيّبها جدار الفصل العنصري، والبعض الآخر اختطفته المستوطنات، فيما تحتوي المحافظة على 32 مقاماً وقبراً أثرياً طالت معظمها أيادي العابثين، وفق إحصائية حديثة لمديرية السياحة والآثار في سلفيت.

 

المقامات قديماً

يقول مدير مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي الدكتور إدريس جرادات إن التبرك بالمقامات كان سائداً في الماضي، وشهد العهد الفاطمي أوسع انتشار لها، حيث كان يتم بناؤها في المرتفعات وعلى رؤوس الجبال لأسبابٍ أمنية وعسكريةٍ، وكانت توكل مهمة الحراسة فيها لشيخٍ صوفي.

ويوضح جرادات أن كافة المقامات تتصف بمواقع مميزة، فهي تُبنى في المناطق المُرتفعة وبجانب شجرةٍ كبيرة في العادة، وكذلك بجوار الكهوف والينابيع المائية، مشيراً إلى أن حقبة النكبة عام 1948 ألقت بظلالها الكارثية على المقامات، حيث هُدم خلالها نحو 500 مقام.

 

الأسباب والدوافع

بعض المصادر الرسمية صرّحت أكثر من مرة أن الشائعات المنتشرة بوجود الكنوز هي الدافع وراء حفر القبور والمقامات، وقد نفت وجود أية دفائن أو كنوز، نظراً لطبيعة الشريعة الاسلامية التي لا تبيح دفن شيء مع الميت.

وحول الأسباب التي تدفع العابثين للاعتداء على المقامات ونبش القبور القديمة بوجهٍ عام، يقسّم مدير مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي جرادات الدوافع إلى قِسمين: الأول يتعلق بوجود بعض القبور داخل المساجد أو ملاصقةً لها، مشيراً إلى أن بعض الجماعات من السلفية تؤمن بعدم جواز الصلاة في المساجد التي تتواجد بها قبور أو المساجد المقامة على قبور، ما قد يدفعهم لتحطيمها.

أما الدافع الثاني وفق جرادات، فيتمثل بالبحث عن الكنوز والأموال، موضحاً أن الناس قديماً كانوا يضعون المال والذهب والدنانير في المقامات لقناعاتهم بأنها محمية، وهذا مرتبطٌ بالمعتقدات الشعبية القائمة على مفهوم "الوهرة" أو الرهبة، فلا يجرؤ أي شخص على الاقتراب من المكان، لافتاً إلى أن هذه المعتقدات سادت منذ العهد المملوكي إلى نهاية العصر التركي تقريباً.

بعد جولة بحثية، برز الدافع الثالث أمامنا عندما أعلن جهاز الأمن الوقائي في مدينة أريحا عن اعتقال عصابة، حفرت قبوراً واستخرجت الجماجم لبيعها، بغرض طحنها وخلطها مع المخدرات، وفق ما نشرت تقارير إعلامية في 24 تشرين الثاني من العام الماضي، ومؤخرا أعلنت الأجهزة الأمنية القاء القبض على أشخاص متورطين في حادثة مشابهة بإحدى مناطق الخليل.

شيوخٌ وأئمة عدة مساجد نفوا الدافع الأول، والمتعلق باحتمال اعتداء جماعات سلفية على القبور من منظور عقائدي، وأرجعوا ذلك لطبيعة محافظة سلفيت من حيث الالتزام الديني المُعتدل، إضافة لعدم انتشار مثل هذه الجماعات، وأكدّوا عدم وجود أية دلائل أو سياقات سابقة لوجود جماعات مماثلة أو إعتداءات مشابهة في المنطقة.

وفيما يتعلّق بالدافع الثاني الذي حرّك "نابشي القبور"، فقد  استبعد مدير دائرة التنمية المستدامة في محافظة سلفيت المهندس عمر سلخي احتمال وجود المدفونات داخل القبور المتواجدة في المقامات الدينية، واتفق مع المصادر الرسمية.

من جانبه، يتفق مدير السياحة والآثار في سلفيت منتصر موسى إلى حد ما مع السلخي، حيث يؤكد الأول أن دوافع الحفر تعود إلى سريان شائعاتٍ قبل نحو عامين، تفيد بالعثور على كميات من الذهب داخل أحد القبور.

لكن في ذات الوقت يقول موسى: "لا نستطيع الجزم بدوافع الفاعل، لكن في مثل حالات الحفر هذه، يُحتمل عادةً أن يكون الهدف هو البحث عن خبايا ومدفونات يعتقد الفاعلون بوجودها، وكأن الاعتداء على القبور في نظرهم طريق للثراء السريع"، ويضيف موسى: "من يحفرون يعتمدون على الشائعات، وبعضهم قد يقتنع بأنه يجب أن يستمر في الحفر لأنه في النهاية سيجد شيئا، وهذه القناعة خاطئة، كما أن البعض يلجأ للحفر كوسيلةٍ لتحسين وضعه المعيشي".

 

نظرة قانونية

على صعيد الرؤية القانونية لقضايا سرقة المواد الأثرية وحيازتها والاتجار بها، يوضح المحامي محمود الشيخ من سلفيت أن القوانين المعمول بها في فلسطين بخصوص الآثار، قانونان أردنيان: الأول قانون السياحة رقم 45 لعام 1965، وقانون الآثار رقم 51 لعام 1966، ويضيف الشيخ: "استناداً للمادتين 46 و47 من قانون الآثار لعام 1966 فإن القانون الفلسطيني ينص على أن تتراوح العقوبة ما بين ثلاث إلى خمس سنوات، وتكون مضاعفة لتصل إلى عشر سنوات في حال ثبوت ارتباط الجاني بالاحتلال".

ويؤكد الشيخ أن القانون المعمول به هو قانون أردني مؤقت يعود لسنة 1966، والعقوبة فيه تتراوح بالسجن لمدة لا تقل عن 3 شهور أو غرامة مالية تتراوح ما بين 50 و 200 دينار، شريطة ألا تقل الغرامة عن 10 دنانير.

ويلفت المحامي الشيخ إلى أن القوانين الأردنية قديمة وغير رادعة، لاختلاف المتغيرات والظروف، مشيراً إلى وجود مباحثاتٍ رسمية منذ ثلاث سنوات بغرض انجاز مشروع "قانون التراث الثقافي الفلسطيني".

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018