"ناشيونال جيوغرافيك فلسطين" إبراهيم أبو مزنة.. ثلاث ساعات من أجل صورة واحدة

 

بهدوء تام، وبملابس التخفي تحت الشمس الحارقة، وبين الأشجار، يقف الشاب إبراهيم أبو مزنة من برية بني نعيم في الخليل ساعات طويلة، ليلتقط مجموعة من الصور لطائر دجاج الماء الذي يعيش في المنطقة الواقعة بين دير غسانة وكفر الديك، إلى الشمال من مدينة رام الله، والجنوب من مدينة سلفيت.

يقول أبو مزنة في مقابلة خاصة مع "الحال" إنه يعشق التصوير منذ أن كان صغيراً، لكنه يتميز عن مصورين كثيرين بأنه لا يهوى تصوير المناسبات أو الاحتفالات أو حتى الأشخاص، إنما يهوى متابعة الطيور والحيوانات في البرية، والتقاط الصور لها، ومتابعة أساليب حياتها من خلال عدسة الكاميرا. وبذلك يكون قد جمع بين حبه للطبيعة واهتمامه بها وبين عشقه للتصوير وشغفه به.

ولذلك، لا يرى إبراهيم مانعاً من أن يسلط كاميرته باتجاه نبع ماء أو جبل كبير، ثلاث ساعات متتالية، ودون أي حركة من أجل أن يلتقط ما مجموعه عشر دقائق من الفيديو لحيوان ما. يقول أبو مزنة إن بعض الحيوانات كدجاج الماء حذر جداً، الأمر الذي يتطلب هدوءاً كاملاً في مسرح التصوير، لأن أي حركة صغيرة، أو همسة من المصوّر، قد تدفع بالطائر إلى ملاحظة الحركة والابتعاد عن المكان، تاركة المصور الذي ينتظر منذ وقت طويل في حيرة من أمره.

ومع ذلك، يبدو أن أبو مزنة سعيد جداً بما التقطه من صور وملفات فيديو لطائر دجاج الماء، رغم أنه أمضى يوماً كاملاً في برية دير غسانة برفقة مراسل الحال، ودليل سياحي من المنطقة.

 

التصوير المهجور

"تصوير الحياة البرية ليس أمراً سهلاً" يقول أبو مزنة، "لأن هذا النوع من التصوير مهجور جداً بين العاملين في هذا المجال، خاصة أن معداته تستلزم الكثير من الأموال لشرائها بسبب دقتها العالية وحاجتها للعدسات التي تلتقط صوراً عن بعد مئات الأمتار. إضافة إلى ذلك، يحتاج المصوّر إلى وقت طويل لإنجاز أفلام قصيرة حول الحياة البرية. كل هذه الأمور ترفع من تكلفة هذا النوع من التصوير، وتبعد المصورين عن هذه المهنة".

يضيف أبو مزنة سبباً آخر يبعد المصورين عن هذا النوع من التصوير، يتعلق بالسلامة العامة للمصوّر، إذ إن هذا النوع من التصوير يتطلب في بعض الأحيان مواجهة بعض الأخطار، مثل التعرّض لهجوم من قبل حيوانات مفترسة مثل الخنازير البرية أو الذئاب. وقد حدث أكثر من مرة أن تعرّض إبراهيم لمثل هذه الأخطار، لكنه كان يتدارك الموقف وأنقذ نفسه من خطر الموت في أكثر من حالة.

ولا يرى أبو مزنة أن ذلك من شأنه أن يمنعه عن ممارسة هوايته المفضلة أو أن يتسبب في منعه من مواصلتها، بل على العكس، يرى في ذلك دافعاً أكبر للاستمرار، لأنه يضيف التشويق والإثارة إلى عمله، كما يقول.

 

مكافحة الصيد الجائر

ويدعو المصور الشاب إلى تكريس مزيد من الجهود من أجل المحافظة على الحياة البرية التي تتعرض للإهمال على يد مجموعة كبيرة من الناس، خاصة من الصيادين الذين يتعرضون لبعض الحيوانات بحجة أنها تشكل خطراً على حياة الناس كالضبع الذي يعتقد كثيرون أنه حيوان مفترس يمكن أن يهاجم الناس بدون سبب مع أنه يخشى الاقتراب من البشر في معظم الحالات لأنه يتغذى بشكل أساسي على الجيف وليس على الكائنات الحية.

ويحاول أبو مزنة من خلال هوايته، التي يمثل في ممارستها أحد أعمدة "ناشيونال جيوغرافيك" بالنسخة الفلسطينية؛ أن يوضح للناس خطأ هذه الأفكار عبر التقاط مجموعة من الصور لمثل هذه الحيوانات توضح أنها لا تشكل خطراً على البشر. وفي الوقت ذاته، يطالب أبو مزنة المؤسسات العاملة في هذا المجال بتشديد العقوبات على المعتدين على الحياة البرية، وفرض مزيد من الرقابة على المحميات الطبيعية والمناطق الحرجية.

 

قصة طائر القليعي

يختتم أبو مزنة حواره مع الحال من خلال قصة طائر القليعي الأسود، الذي التقط له صورة عالية الجودة رغم قدم نوع الكاميرا. وقد تحداه بعض أصدقائه بأنه لن يتمكن من التقاط مثل هذه الصورة لهذا الطائر الحذر وسريع الحركة، قائلين إن صورة واحدة له تحتاج إلى معدات بأسعار خيالية، لكنه أصر على التقاط صورة له. في الواقع، لم يكن ذلك النجاح سهلاً، إذ احتاج من أجلها أن يجمع كافة المعلومات عن هذا الطائر، وقد وجد من خلال البحث أن هذا الطائر ورغم حذره الكبير، إلا أنه لا يمانع كسب الصداقات مع البشر، وبذلك حاول أبو مزنة أن يكسب ود هذا الطائر عبر جمع الطعام المفضل له وهو الجنادب والديدان الحية، ثم الاقتراب منه رويداً رويداً عبر الوقت، مع البقاء على مسافات قريبة منه ساعات طويلة من الصباح حتى المساء، حتى يألفه الطائر، وهكذا، وبعد وقت طويل تمكن أبو مزنة من التقاط صورة له حين كان يهم بإطعام صغاره داخل العش.

 

  • خريج دائرة الإعلام في جامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018