غزو تركي أنيق لشوارع الضفة

1/5

 

تفسح "الموضة" المجال أمام الناس للتعبير عن فكرة ما أو ثقافة معينة، وربما ثقافات شعوب مختلفة معاً، وبحكم أن الموضة لصيقة النساء أكثر، وبحكم أيضاً أن السوق الفلسطينية استهلاكية لنمط الألبسة التركية، التي أغرقته قبل حوالي عشرة أعوام، فإن التساؤل مشروع حول دواعي التسليم بهذا النمط، وغياب بصمة موضة "فلسطينية".

"الحال" التقت الشابة هديل بدران التي تقول إنها غير مستعدة لتقبُل جديد الموضة في السوق، دون أن تُقرر ما إذا كانت تناسبها من حيث المظهر والشخصية، رغم أن معظم الصبايا حولها "ينقضضن" على الموديلات المتعاقبة، وتُضيف أن مجتمع الصبايا يُعاقب من تُخالف الخط السابق، معتبرة الصبية التي لا تواكب "الموديل" وقت ظهوره غير عصرية، ولا تسلم من تعليقات زميلاتها أو صديقاتها.

ولا يقتصر الأمر على الصبايا فقط، بل يطول السيدات المتقدمات في السن إلى حدٍ ما. تقول إحدى السيدات التي فضلت عدم ذكر اسمها، إن على النساء اختيار الألبسة التي تتناسب مع أعمارهن، إذ إن ما يُناسب ابنة العشرين لا يُناسب حكماً الخمسينية أو الستينية العمر، فيما أشارت إلى أن التفاعل مع الموضة لا يرتبط فقط بذلك، فالعامل المادي قد يلعب دوراً مهماً في اختيار الألبسة وعلى رأيها: "على قد لحافك مد رجليك".

لكن بعض الصبايا لا يقتنعن بمبدأ اللحاف، وتصل أرجلهن لكل مطارح الموضة، وإن لم تجرؤ إحداهن على التصريح بذلك، فلا يصعب على الرائي ملاحظة الأمر في الأسواق، والجامعات، والمناسبات الاجتماعية، والفعاليات المختلفة، في الشوارع وكل مكان.

في حين أن نسرين قنديل التي تملك بوتيك للألبسة الأمريكية تجد صعوبةً في مزاحمة الألبسة التركية، كون جديدها يصل أسرع إلى السوق الفلسطينية، أما جديد الموضة في أميركا فيستغرق وصوله إلينا سنتين على الأقل، ما يعني عدم توافق رغبة الزبون مع ما تطرحه الموضة البعيدة عن حدود الأتراك.

يُبيّن الشاب عيسى عودة وهو مصمم أزياء ومجوهرات ويملك محلاً لبيع وتوزيع الشالات التركية والصينية والخليجية والفلسطينية، أنه يجلب إلى محله الموديلات الجديدة يومياً، ولا يُمكن له حصر عدد الزبونات لكل موديل، وعندما سألناه عن التفاعل مع جديد موضة الشالات لديه، لم يتردد في رفع ذقنه وبسط يديه قليلاً: "كثير كثير".

أما خبيرة التجميل والمظهر كريستين عازر، فلا تُعيب على درجة التفاعل مع كل ما هو جديد في عالم الموضة، فمن حق كل امرأة مواكبة صيحاتها، لا سيما أن عالم التجميل هو الآخر يوفر الجديد الذي يتناسب مع موضة الألبسة.

وترى نور مقادمة أن تسارع الموضة أمر مُزعج، إذ صنع نسخاً متشابهة من النساء، وألغى تعبير الشخصية الداخلية بما توفره من إغراءات المظهر.

وعلى ما يبدو أن الموضة وتغيراتها أوحت لبعض الصبايا الفلسطينيات بالولوج إلى عالم عرض الأزياء الجاهزة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، ومنهم الشابتان سوسن فوراني وآيات عيسى.

تقول فوراني: "أعمل كعارضة لصالح ترويج ملابس شرعية لمحال في نابلس ورام الله، وكوني مُحجبة فالأمر لدي يحمل تجربة جديدة، لكن دون خدش ثقافة الحشمة".

وبخصوص تفاعل الصبايا مع تبدلات وتقلبات الموضة تُضيف أنها حتى ضمن عملها لا تقبل عرض الملابس كما هي، بل تقوم بتنسيق القطع والألوان، وكثيراً ما تقرر هي شكل "اللوك" النهائي للصورة التي ستشاهدها مئات "السوشلجيات" ومُحبات الموضة في فلسطين.

أما آيات عيسى، فحكايتها مع الموضة تتخذ منحى آخر؛ فهي تعرض الأزياء التي تُصممها، مستوحيةً ذلك من التصاميم والقصات الجاهزة في السوق، ولا تتوانى في البحث عن الألبسة الغريبة لبعض الشعوب الأفريقية، لتلتقط مخيلتها ما يمكن توظيفه في التصميم الذي تُريد.

وقصة آيات تفتح الباب أما تساؤلٍ جديد وهو: لم لا يبحث أحد عن موضة فلسطينية؟

تقول آيات:" لم أفكر بالأمر من قبل، لقد فاجأني السؤال.. موضة فلسطينية؟!".

هل يمكن أن تنطلق موضة فلسطينية غير مرتبطة بطريقةٍ "قدرية" بالتراث؟ يقول سليمان عصفور وهو صاحب أحد المحال التجارية لبيع وتفصيل الثوب الفلسطيني التقليدي، وما تفرع عنه من قصات حديثة وألبسة متنوعة، إن النساء لسن مثل ذي قبل يبحثن عن الثوب العادي بشكله المعروف، بل حتى هو صار مجالاً لتنافس الموضة، إذ يتم تفصيل العديد من القطع العصرية بلمسة تراثية "التطريز الفلسطيني"، مؤكداً من حقل تجربته أن ما يتم تحديثه على الثوب، وحتى على اللباس العادي في كل عام، قد تعود لتجريبه السيدات المتقدمات في السن، لكن الصبايا يرفضن الأمر من باب حب التجديد والتعلق الشديد بالموضة.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018