سعيد جلامنة.. مُدوّن الأحزان والأفراح

 

يواظب سعيد شريف جلامنة (79 عامًا) على تدوين الوفيات في بلدته برقين الملاصقة لجنين منذ ربع قرن، فيما وثّق عقود الزواج 11 سنة، وعمل معلمًا أكثر من ثلاثة عقود.

يقول: بدأت في توثيق عقود الزواج أثناء عملي مأذوناً في المحكمة الشرعية منذ عام 1987 وحتى 2009، وصرت أُدوّن الوفيات في بلدتي برقين منذ مطلع التسعينيات. 

ووفق جلامنة، فإن تسجيله لحالات الزواج دفعته للتفكير بعمل مماثل لمن يرحلون عن هذه الدنيا، لتضاف الأفراح والأحزان إلى أرشيفه القديم، الذي يضم شهادات مدرسية ووثائق صادرة عن "حكومة فلسطين" قبل النكبة وبعدها.

 

يوميات وحبر

يزيد: حين أسمع خبر وفاة من مكبرات الصوت لمساجد البلدة، أسرع إلى دفتر يومياتي الأزرق، وأدون أسمه، ورقمه المتسلسل، وتوقيت الوفاة، وتاريخها الهجري والميلادي، ومكان الرحيل وعلته، وصرت مرجعاً لمن يريد معرفة تاريخ غياب والده أو إخوته أو أحد أقاربه، مثلما تحولت إلى مصدر للراغبين في استصدار عقود زواج بدل المفقودة.

واستناًدا للراوي، فإن عدد الوفيات التي جمعها وصلت  إلى 780 حالة أضاف لها نحو 500 من سجلات أخرى بين العامين 1982 و1992، كتبت كلها بخط جميل أزرق وأسود، وفي لحظة فورية تعقب الإعلان عن كل وفاة، والشرط الوحيد للإضافة أن يكون الراحل قد سكن في البلدة أو ولد فيها.

 

خجل و"سلفانا"

يقول: فاق حجم عقود الزواج عدد الوفيات بكثير، ولم تخلُ مهنة المأذون الشرعي من طرائف وغرائب، أبرزها حالة زواج لم تدم غير عدة ساعات، وبكاء إحدى الفتيات خجلاً عند سؤالها عن رغبتها بالزواج من ابن عمها، وإعادة عقد زواج لعجوز سبعيني عدل عن تطليق زوجته، والظن بأن العريس الذي بالكاد أكمل سن الزواج، أحد الشهود غير المقبولين لصغرهم، وإصرار أحد الوجهاء على تلقي إكرامية من والد العريس عنوة. 

حرص الراوي على عدم قبول أي أجر إضافي لقاء توثيق الزواج، ورفض استلام أي حلوى مقابل عمله، بخلاف العادة الدارجة وتقديم علبة (سلفانا) ذائعة الصيت، وأصر على تسلم الرسوم دون زيادة قرش واحد، والتي ارتفعت من 5 دنانير إلى 27 ديناراً و67 قرشًا ونصف القرش.

أبصر جلامنة النور في زرعين نهاية أيار 1938، غير أن النكبة هجرّته من قريته، مثلما أقصت والده عن يافا، حيث كان يعمل في بيع الخضراوات، وحرم هو من مواصلة تعليمه في مدارس الرياض التابعة لبلدية يافا.

 

معلم ومأذون 

يضيف: درست الصفين الأول والثاني في يافا، وأكملت الثالث في زرعين، وانتقلت بعدها إلى برقين قرب جنين لأدرس الصف السابع الابتدائي (تحول لاحقًا إلى الأول الثانوي، ثم صار الثالث الإعدادي فالسابع الأساسي اليوم)، وانقطعت كثيراً بعد الخامس الثانوي، لأتابع دراستي في كلية الشريعة بالخليل انتساباً، عام 1980، وكان التخصص الوحيد فيها، ثم انسحبت بعد إنهاء السنة الثالثة؛ لرفض الإدارة الاعتراف بمنحة تفوق، رغم حصولي على المركز الثاني في الكلية.

بدأ جلامنة في مهنة التدريس عام 1957، وحتى بدايات 1988، تنقل خلالها بين برقين، وعرابة، وفقوعة، وجنين، وقباطية، ودير أبو ضعيف. 

يقول: عملت 30 سنة وثلاثة أشهر وعدة أيام معلمًا، درست خلالها العربية والإنجليزية والجغرافيا والتربية الإسلامية، وكنت أعلم الطلاب الخط العربي على أصوله، الذي يُعد هواية بالنسبة لي. أما عملي مأذوناً فقد بدأ في عام 1987، واستمر حتى قدّمت استقالتي في تشرين الأول 2009، وكان نطاق عملي في مخيم جنين، وبرقين، وكفر قود، وكفرذان، والهاشمية.

 

حياة ووثائق

تعرّض جلامنة لجلطة في الثاني والعشرين من نيسان عام 1990، خلال الصلاة بالناس، نقل على إثرها إلى مستشفيات جنين والناصرة والقدس، وتسببت له بشلل نصفي، وأمضى 45 يوماً على سرير الشفاء.

ويضيف: سرد اثنان من أصدقائي ما قاله لهما الطبيب من أنني أحتاج لإجراءات الدفن، وتسجيل شهادة وفاة؛ لأن أمري قد انتهى، ولن أمضي غير ربع ساعة حتى إعلان موتي. لكنني نطقت الشهادتين بعد وقت قصير، وعدت إلى الدنيا، ما أثار دهشة الأطباء، الذين أكدوا أن ما حصل ليس بالأمر المألوف، إذ إن مفاهيم الطب كلها أشارت إلى قرب انتهاء أجلي.

يحتفظ المربي والمأذون بمكتبة تضم أعداداً قديمة من مجلة العربي الكويتية، بعضها يعود إلى عام 1957، وسنوات الستينيات والسبعينيات، إذ كان يحرص على اقتنائها، وقراءتها، ومن خلالها تعرف على الكثير من مدن العالم وفلسطين، كاللاذقية والإمارات وأدغال أفريقيا وآسيا، كما تابع بشغف افتتاحية رئيس تحريرها أحمد زكي وطرائفها.

وتكاد وثائق والده في زرعين وبطاقات هويته، وشهادات ترخيص منزله، والضرائب التي كان يدفعها، وسندات الأرض التي تسبق النكبة بسنوات عديدة؛ لا تغادر قبضته، وهو يتفقدها بين وقت وآخر، ويعرضها لأولاده: ثلاثة أبناء، وخمس بنات، وأحفاده، فيما لا ينسى قصة أمه كافية صالح حجاز، التي جهزت قبل الرحيل عن القرية عام 1948 علف الدجاج والماء، وقالت إنها ستعود في النهار التالي.

ويختم حديثه: سأوصي بنقل سجل الأموات إلى من يؤتمن عليه ويكمله، وتساعدني زوجتي في حصر أسماء الراحلين، وتدقيق الأسماء والألقاب الأكثر شيوعًا.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018