المغربية إلهام نزال.. رسامة الأسرى

1/16

 

لم تألف المغربية إلهام نزال الفراق والحسرة كما ألفته نساء فلسطين، إلا أن السيدة الثلاثينة التي تزوجت محمد نزال من مدينة جنين، بدأت تعتاد الأمر، بعد أن جربته.

تروي نزال لنا قصتها فتقول: "ولدت في مدينة وجدة شمال شرق المغرب العربي، والتحقتُ بالجامعة بتخصص الهندسة المعمارية، وقُدر لي أثناء هذه المرحلة اللقاء بزوجي الأسير محمد نزال خلال حياته في الغربة. قضينا فترة الخطوبة التي بلغت ست سنوات، حاول زوجي خلالها العودة لبلده فلسطين مراراً وتكراراً دون جدوى، فقد كان يجري في كل مرة إعادته من المطار حتى يحصل على تصريح سفر من مصر، لأنه فلسطيني".

وتتابع: "بعد 21 يوماً من الزواج، قرر محمد السفر إلى فلسطين لعناق الأحبة، وسافرت أنا إلى فرنسا على أن يلحق بي بعد عودته من بلده الأم، ليقف الاحتلال عائقاً أمام ذلك ويعتقل أثناء مروره على معبر الكرامة بتاريخ 26/1/2016، بعد 9 سنوات من الغربة عن موطنه فلسطين".

 

رسامة الأسرى

لم يكن حزن إلهام وخيبتها بفقدان محمد أمراً سهلاً، فاتخذت منحى آخر بعيداً عن الحسرات والألم ومناجاة الحبيب من بعيد فقط، وعملت على غرس الابتسامة على وجه زوجات الأسرى اللواتي لم تتوقع في يوم من الأيام أن تعرف ولو واحدة منهن، إلا أن الظروف كانت أقوى منها، فخلقت جوّا من المتعة ممزوجاً بالألم على مواقع التواصل الاجتماعي.

مع مرور الأيام، استطاعت إلهام نثر ولو القليل من الزهور في طريق الأمهات وذوي الأسرى أيضاً، من خلال رسم لوحات تعبيرية وملامح من غيبتهم القضبان عن أرض الوطن.

عملت إلهام على رسم كل ما يطلب منها، وخصصت نفسها فقط لرسم وجوه الاسرى، أما عن الأجر الذي ترجوه إلهام ثمناً من أمهات وذوي الأسرى، فكان كل ما تطلبه لقاء الموهبة التي أكرمها الله بها هو أن يرفعن أيديهن بالدعاء لزوجها الأسير محمد نزال كي يخرج حراً ويشاهد طفله الرضيع محمود الذي لم يره إلا صوراً مهربة مع عائلات أسرى آخرين.

 

فرحة منقوصة

ورغم طول المسافات التي قطعتها إلهام، تبحث فيها عن متنفس لتواصل مع زوجها القابع خلف أسوار الزنازين في سجون الاحتلال منذ تسعة عشر شهراً، اكتشفت في نهاية الطريق أن تعب الأيام والليالي ببعد زوجها محمد بدأت بالتلاشي، وأن شبح الفرحة المنقوصة بدأ يدق أعتاب بابها في المغرب، فمجرد التفكير بلحظة الإفراج عن محمد شقيق روحها من خلف القضبان أمر ليس بالهين. 

تقول إلهام: "منذ شهر تقريباً والحياة عندي انقلبت على أعقابها، لا أعلم ماذا يحصل، فالأيام باتت تتباطأ بشكل مخيف، وأنا انتظر الفرج بفارغ الصبر حتى ألقاه، وأنفاسي ضاقت بين السهر وكثرة التفكير، ألا يكفي أن زهرة عمري ذهبت بين طيات الانتظار!".

في آخر مكالمة لإلهام مع محمد، استأذنته السفر إلى فلسطين حتى يتسنى لها استقباله، إلا أنه رفض وطلب منها السفر إلى المغرب حيث منزل والديها لتنتظره هناك، فمحطة لقائهما هذه المرة أيضا ستكون في المغرب، كما في المرة الأولى لحظة التعارف.

 

عناق لأول مرة 

عند إعداد هذه المادة، كان شهرٌ واحدٌ قد بقي على موعد تحرر نزال، وهو ليس بالكثير مقابل ما مضى، فمحمود الصغير طفل الأسير محمد الذي رزق به عقب اعتقاله، لم يعلم بعد ما معنى كلمة أب منذ أن أطلق الصرخة الأولى معلناً فيها عن حياته.

منذ بضعة أيام اشترت والدة محمود حذاءً جديداً لمحمود الصغير، إلا أنه لم يكن بمقياس قدميه الصغيرتين، فحدثته وقالت له إنه سيكون من الممكن أن يرتديه فور الإفراج عن والده، أي بعد شهر على وجه التحديد، فضحك وكأنه يفهم ما قالت له. وسينتظر هو ووالدته موعد الإفراج على أحر من الجمر. قبل أيام من صدور هذا العدد من "الحال"، تحرر الأسير محمد نزال، الذي نتمنى أن يجمعه الله بزوجته وابنه.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018