المشروع الوطني ومرحلة المراهقة

 

تقف غزة اليوم، ومعها مصير القضية الفلسطينية برمتها، على حافة الهاوية، وذلك في أصعب وأقسى اللحظات التاريخية غير المسبوقة في خضم مخاض يعصف بالمشروع الوطني الفلسطيني بسبب سياسات فصائلية أقل ما يقال فيها إنها تمر بمرحلة من المراهقة المزمنة العصية على النضج. لكن أخطر ما في هذه السياسات هو ما يجري اليوم بين شطري الوطن، فبعد استنفاد كل التجارب السياسية المستهترة الفاشلة، يلجأ البعض اليوم لأخطر أنواع السياسات، سياسة حافة الهاوية التي يخشى السياسيون خوض غمارها، ليس فقط لصعوبتها، بل لخطورتها، لأن أي خطأ فيها، مهما كان صغيراً، سوف يؤدي بالجميع إلى الهاوية التي لا خروج منها للأبد .

إن إقدام حركة حماس على تشكيل لجنة إدارية في ظل وجود حكومة توافق وطني كان بمثابة شهادة وفاة لتلك الحكومة، وهو أمر لم يكن من شأنه أن يحرك ساكناً لدى القيادة الفلسطينية في رام الله التي تعايشت مع انقلاب حماس بحكوماته لأكثر من سبعة أعوام، والواقع المفروض لحكومة التوافق لما يقارب الثلاث سنوات في غزة رغم شذوذه وعدم منطقيته، لكن مع المتغيرات الدولية والاقليمية التي ترافقت مع وصول ترامب لحكم أميركا وسياسة الحسم التي تم الاتفاق عليها دوليا وإقليمياً مع كافة القوى غير الرسمية، وكذلك صفقة القرن التي روجت لها الادارة الأميركية بإنهاء الصراع العربي الاسرائيلي؛ بعد تلك المتغيرات، بدأت تتوالى قرارات السلطة الفلسطينية لاستعادة قطاع غزة كجزء مهم من الدولة الفلسطينية التي تسعى للحصول عليها، ومحاولة الضغط على حركة حماس للانصياع وحل اللجنة الادارية وتمكين حكومة الوفاق من عملها في غزة. وقد حاولت حركة حماس الالتفاف على تلك الاجراءات بالذهاب خطوة للأمام باتجاه النائب محمد دحلان بتفاهمات جرت برعاية مصرية، رأت فيها السلطة الوطنية تجاوزا خطيرا لها، خاصة مع تسريب نسخ منها، وإن تم نفيها. وكانت تلك رسالة من حركة حماس للسلطة، إما اللحاق بهذا الاتفاق والقبول به، أو أن التفاهمات ستنفذ بدونها، ومحاولة أيضا من حماس لانتزاع تنازلات من السلطة الوطنية، خاصة في ملفات المصالحة الفلسطينية، وهو ما اعتبرته السلطة في رام الله خطوة في مشروع انفصال غزة.

تلك هي الهاوية التي اعتقدت حماس أن سياسة اللعب عليها ستدفع السلطة للتنازل، لكن ما حدث كان العكس تماما، فقد قررت السلطة الوطنية رفع يدها عن غزة بشكل تدريجي ضمن حزمة إجراءات مست عصب ما تبقى من حياة في القطاع المتهالك أصلاً والغارق حتى أذنيه في كل الأزمات الكونية والمحاصر، وهذه الإجراءات رسالة واضحة ليس لحماس فقط أو للنائب محمد دحلان، ولكنها رسالة  لكل من يهمه الأمر أن من يريد غزة اليوم، فعليه أن يتسلمها أسوأ مما كانت عليه عشية النكبة، وتراهن السلطة الوطنية على أنه لا يوجد عاقل بمقدوره أخذ غزة من السلطة وتحمل العواقب الوخيمة الاقتصادية والسياسية.

ورغم أن انفصال غزة عن الضفة كان دوماً هدفاً استراتيجياً اسرائيلياً نحو تصفية المشروع الوطني الفلسطيني، إلا أن الجميع يصر على الاستمرار في سياسة حافة الهاوية حتى النهاية. فقد خرجت حركة حماس مجدداً بتسريبات تفيد أنها هي الأخرى سترفع يدها عن غزة لتحدث فراغا سياسيا في رسالة موجهة لاسرائيل بشكل خاص والعالم بشكل عام بأنها لم تعد الطرف المسؤول في غزة. لكن خطورة هذه الرسالة تكمن في إمكانية استغلال اسرائيل لها مع أول طلقة رصاص قد تخرج من غزة ولو بالخطأ، على اعتبار أنها إعلان سياسي بانتهاء تفاهمات هدنة عام 2014 التي  كانت حماس طرفاً أساسيا فيها باعتبارها الحاكم الفعلي لغزة لشن حرب جديدة على غزة تبدو اسرائيل مهيأة لها جيداً، ويبدو رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو في أمس الحاجة لها للهروب من مصير شبيه بمصير سلفه إيهود أولمرت؛ وهي حرب يحتاجها اليمين الاسرائيلي للرد على هزيمة الحرم القدسي، حرب تنزع فيها اسرائيل سلاح غزة وتنزع فيها غزة من الصراع عبر ترتيبات دولية وإقليمية بعيداً عن السلطة الفلسطينية، إضافة الى العواقب الوخيمة الأمنية والقانونية والادارية التي ستترتب على قرار من هذا النوع إن صحت التسريبات، التي تنسجم مع انحدار منحنى السياسات القائم نحو الهاوية .

في هذه الأثناء، تراقب اسرائيل المشهد الفلسطينى باستمتاع، وتساعد الجميع في الانزلاق نحو الهاوية  التى على ما يبدو باتت حتما مقضيا يصعب تجنبه، وتبقى الحقيقة أن ما أفرزه الشعب الفلسطيني من فصائل وقيادات هو تعبير صادق عن المستوى السياسي والفكري والثقافي لجيل كامل لم يدرك المستوى القياسى غير المسبوق لعدالة قضيته ويكون على مستواه، وعليه، فلم يفلح في ترجمة تلك العدالة للدفع نحو حل قضيته ونيل حقوقه لينخفض مستوى القضية من أعدل قضية تحرر وطني تمس ضمير الانسانية، إلى قضية مطلبية لحاجات انسانية طبيعية كالكهرباء والماء والمأكل والمشرب والعمل والتنقل والراتب .

لا أمل في كل ما هو قائم، وإنما الأمل فقط في الأجيال القادمة لتعيد لفلسطين اعتبارها ومكانتها.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018