الدبلوماسية الرقمية.. الدولة بحاجة لتغريدات أكثر

 

"الدبلوماسية الرقمية"، أو "الإعلام الدبلوماسي الرقمي" هو مصطلح إعلامي جديد يتمحور حول الانتاج الاعلامي الدبلوماسي عبر الاعلام الرقمي التقليدي من مواقع اخبارية لوزارات الخارجية في العالم، ومواقع وصفحات للسفارات والممثليات، إضافة إلى صفحات تواصل اجتماعي على فيسبوك وتويتر لذات المؤسسات السابقة العاملة في الدبلوماسية. 

وتتسابق وزارات خارجية الدول والسفارات والممثليات والحكومات الى الانخراط في هذا الاعلام الجديد، وعالميا، يصدر تقرير سنوي عن "الدبلوماسية الرقمية" في العالم، للأسف تحتل فيه فلسطين موقعا متأخرا، والعرب كذلك. فيما الدول الغربية تصعد الى الدرجات الاولى في استخدام منصات التواصل والاعلام الالكتروني في حقائبها الدبلوماسية. 

ومع هذه القناة الجديدة في السياسة والاعلام، هل يمكن ان يُعلن الساسة نهاية الدبلوماسية التقليدية التي تدور خلف الأبواب المغلقة او بوسائل اعلام تقليدية؟ وهل ستحل الدبلوماسية الرقمية يوما ما مكان الدبلوماسية التقليدية في العلاقات بين الدول في حل النزاعات والصراعات وفي توقيع الاتفاقيات؟ هل دخلت فلسطين هذا المضمار؟ وكيف يمكن ان نستفيد من هذا التخصص الاعلامي الجديد؟

"الحال" التقت عددا من المتخصصين في الموضوع، وكانت لنا معهم الوقفات التالية.

 

د. عبد العال: إسرائيل في المرتبة الثامنة عالميا

في حديث مع استاذ الاعلام في الجامعة الاسلامية بغزة د. وائل عبد العال، قال: "حسب تقرير الدبلوماسية الرقمية لعام 2016، احتلت دولة الاحتلال المرتبة الثامنة عالمياً في استخدام الدبلوماسية الرقمية"، مشددا على ان فلسطين والدول العربية ما زالت في مواقع بعيدة في هذا التقرير السنوي، داعياً الى الالتحاق بركب هذا الاعلام المهم لدبلوماسية أي دولة بشكل عام، ولفلسطين وقضيتها السياسية بشكل خاص.

وتابع عبد العال: "هناك دائرة في وزارة خارجية حكومة الاحتلال تستخدم الدبلوماسية الرقمية باللغة العربية، وهناك شخص مختص يتقن اللغة العربية يُشرف على كل المنصات المتحدثة باللغة العربية، ولا يقتصر ذلك على الفلسطينيين بل يخاطب به كل العالم العربي".

وأضاف: "هناك إمكانيات هائلة توظفها دولة الاحتلال لهذا الموضوع كمؤتمر سنوي للدبلوماسية الرقمية، والموضوع لا يقتصر على اللغة العربية فقط، لكن أيضا تستخدم كل لغات العالم مع كافة الجنسيات لتوصل صوت اسرائيل".

وتابع أستاذ الإعلام في الجامعة الاسلامية: "القسم العربي في الاعلام الرقمي الدبلوماسي الاسرائيلي الذي تخضع له الكثير من الحسابات يُعطي انطباعا عن توصيل الرسالة السياسية، وهو يريد ان يقول للجمهور في الدول المحيطة إن هذه الدول تخضع للتخلف والاستبداد وإن اسرائيل دولة متقدمة تكنولوجياً، وأقوى الدول في العالم في هذا المجال".

وعن الطريقة الفضلى للفلسطينيين للدخول الى هذا المضمار، قال عبد العال: المواجهة يجب ان تكون بالكلمة والحجة والمنطق، لذلك، علينا توظيف الادوات التكنولوجية والعالم الرقمي بشكل افضل لتوصيل القضية الفلسطينية للآخرين، فنحن اذا نفذنا مسحا لكل شبكات التواصل الاجتماعي، لن نجد صفحة فلسطينية واحدة تتحدث باللغة العبرية مع الشعب اليهودي لنقنعه بعدالة قضيتنا كما يفعل الكيان الاسرائيلي في الجانب الاخر".

وأضاف عبد العال: علينا تخصيص ميزانيات لإنشاء دوائر للدبلوماسية الرقمية لنخاطب العالم، ونحتاج لمتخصصين في الاعلام التواصلي والتكنولوجيا الرقمية، واكاديميّاً يجب تدريس طلاب دوائر الاعلام هذه المهارات الجديدة، وتعليم وتدريب العاملين في الدوائر الرسمية عليها".

وأضاف عبد العال:" من السلبيات الاساسية التفاعل السلبي او الايجابي مع الجمهور العربي، والأخطر من ذلك أولئك الناس الذين تنطلي عليهم الحجج الاسرائيلية، فالحجج التي يستخدمها الاحتلال تنطلي على بعض البسطاء في العالم العربي مع الاسف".

وتحدث عبد العال قائلاً: "لا يمكن للدبلوماسية الرقمية ان تأخذ مكان الدبلوماسية التقليدية، فالدبلوماسية التقليدية بين الدول والمستويات الرسمية، أما الدبلوماسية الرقمية، فهي بين المستوى الرسمي والمستوى الشعبي الذي هو في معظمه عالم افتراضي، بمعنى أنها تتصل بالجماهير من خلال الدبلوماسية الرقمية".

وأنهى عبد العال: "العالم الافتراضي جزء من العالم التقليدي لكن بشكل كبير ومنتشر ومن عدة أطراف، نحن نتحدث في العالم الرقمي عن حوالي مليار مستخدم حول العالم بكافة لغات العالم، لا تحكمهم قوانين ولا نظم ولا جهات رسمية، ولكن تستفيد الجهات الرسمية من هذه الادوات حتى تُخاطب الجماهير".

 

د. عوض: لا ضرر من صفحة المنسق

في ذات السياق، أكد المحاضر في جامعة بيرزيت الدكتور سمير عوض أن "الصفحات الصهيونية من المنسق وغيره لا تشكل ضرراً جديا على قضية الشعب الفلسطيني".

وأضاف: "لا أرى أحداً يستكفي بأخباره من المصادر الاسرائيلية اساساً، انما ايضاً المصادر المحلية تتطور وبإمكانها ان تعمل تأثيرا اكبر على الشارع الفلسطيني".

وتابع:" الدبلوماسية الرقمية لدى الفلسطينيين تقليدية أكثر من غيرها، لدينا بوادر لتطبيق الدبلوماسية العامة التي هي أكثر تماشيا مع المصالح الفلسطينية، هذه البوادر في كل الساحات العالمية موجودة وليس فقط في فلسطين".

وأنهى عوض قائلاً: الدبلوماسية الرقمية نعم حلت مكان التقليدية لتوقيع الاتفاقيات بين الدول وحل النزاعات بينهم، وهي التي تمثل فلسطين في المحافل الدولية، لكن لا اعتقد انه سيتم الاستغناء عن الدبلوماسية العامة في الفترة القادمة".

 

جمهور: تطور أساليب العمل الدبلوماسي

وفي ذات الاتجاه، قال الاعلامي عمار جمهور: "دخول العالم للدبلوماسية الرقمية لا يعني بالضرورة نهاية الدبلوماسية التقليدية او الدبلوماسية العامة، بل ان ما يحدث هو تطور لإدارات وأساليب العمل الدبلوماسي، فاستخدام منصات التواصل الاجتماعي وغيرها من الأدوات الرقمية  ساهم في بروز مفهوم الدبلوماسية الرقمية التي حسنت العمل الدبلوماسي بمجمله، حيث أصبحت مصدراً للمعلومات ومكاناً لتبادل المعرفة والمعلومة على حد سواء، عبر تقنيات الاعلام الرقمي وتحديدا منصات التواصل الاجتماعي".

وأكد جمهور أن "الدبلوماسية الرقمية ليست بديلا وإنما أداة جديدة بيد الدبلوماسي، فالدبلوماسية التقليدية لها أدواتها والدبلوماسية الرقمية لها أدواتها، ولكن على الدبلوماسيين مجاراة هذا التطور وتعلم أدواته واستخدامه وتجنيد الطاقات المالية والادارية لخوضه والاستفادة من جمهوره وأدواته ورسائله".

وأضاف جمهور: "التحدي الحقيقي الحالي يكمن في فهم الدبلوماسي لأهمية الدبلوماسية الرقمية الذي يتطلب بالضرورة فهما عميقا للواقع والسياق الذي يمارس فيه او من خلاله الدبلوماسي لعمله، آخذا بعين الاعتبار طبيعة الثقافة السائدة في المجتمع وعاداته وتقاليده، اضافة الى مراعاته للقوانين والانظمة المتبعة".

وتابع جمهور: "تساهم الدبلوماسية في حل النزاعات الدولية او على العكس في تأجيجها، ولمعرفة حقيقة ذلك، بالإمكان الوقوف على تغريدات الرئيس الاميركي دونالد ترامب بشأن اتفاقية المناخ وكيف ساهمت في توتير الأجواء مع أوروبا وخاصة مع ألمانيا من خلال تغريداته على توتير".

واضاف جمهور: "اغلب المواقف الرسمية الامريكية او الاوروبية ولا سيما الألمانية والفرنسية جاءت بالدرجة الاولى من خلال تغريدات المسؤولين والدبلوماسيين عبر تويتر وفيسبوك، فلعبت الدبلوماسية الرقمية دورا محوريا في التعرف على وجهات نظر اللاعبين الدوليين في القضايا الدولية وتوجهاتهم منها".

وتابع: "السياسيون والدبلوماسيون بدأوا يستخدمون الاعلام الرقمي والسوشال ميديا اكثر من الاعلام التقليدي، فمثلا في مرحلة خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي اخذت إجراءات الخروج مساحة إعلامية مهمة وواسعة في الاعلام الأوروبي والدولي مستندين على ذلك من خلال مواقف وتصريحات رئيسة وزراء بريطانيا وتصريحات الحزب المعارض، بالإضافة الى مواقف الاتحاد الاوروبي التي تأتي من تصريحات وتغريدات على تويتر وفيسبوك".

وتابع جمهور: "أما بالنسبة للدبلوماسية الرقمية على الصعيد الفلسطيني والعربي، فالممارسات العملية قليلة وشبه معدومة كمحاولات جدية مقارنة بما تم عمله حملات التسويق والترويج السياسي لاوباما وهيلاري كلينتون".

وأنهى جمهور حديثه قائلا: "لا بد من التوقف جديا امام ما تحاول اسرائيل عمله بالخصوص، وخاصة فيما يعرف بصفحة المنسق وصفحة أفيخاي أدرعي، الذي يحاول إيصال رسائل إعلامية وسياسية إسرائيلية للمواطن العربي والفلسطيني ويحاول إقامة علاقات مع الأفراد تهدف بالدرجة الاولى للتأثير في افكارهم ومعتقداتهم بشأن حقيقة الصراع العربي الاسرائيلي متسلحا بما تيسر له من معرفة باللغة العربية والتعاليم الدينية، حيث يغتنم المناسبات الدينية لمشاركة العرب فرحتهم او أعيادهم محاولا ان يتقمص الدور بانه واحد منهم، وكذلك صفحة المنسق الذي يحاول إظهار حرصه على الفلسطينيين في تقديم الخدمات الانسانية وفقا لما يدعي في محاولة لتغيير الحقائق وتزيفها".

الآراء كثيرة حول اهمية الدبلوماسية الرقمية وانتاجاتها ونتائجها على العالم عامة وعلى فلسطين خاصة، والدبلوماسية التقليدية والدبلوماسية الرقمية تكملان بعضهما، فهل سنشهد مستقبلا هامشا جديا للفلسطينيين في العمل على هذا المضمار؟

  • طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018