الحضور النسوي في المسرح الغزي خجول ومحدود.. أسباب ونتائج

 

وقف الممثلون على خشبة المسرح بعد انتهاء العرض، وسط تصفيق الجمهور منتظرين خروج أم العبد الشخصية المحورية للمسرحية، اكتمل فريق التمثيل ولم تخرج، ليصاب الجمهور بحالة من الذهول عند تعريف د. يسري المغاري بشخصيته في المسرحية، وقد أزال المكياج والشال وبدت ملامحه الرجولية مرتديا القميص والبنطال.

لم تكن المرة الوحيدة التي يقف فيها الممثل مرتديا زي امرأة، فقد تكررت مع الممثل محمد أبو كويك الذي قال ممازحا: "ولا أسهل منها، فش بنت تمثل، بحلِق الشنب وشوية مكياج وفستان وبطلع على المسرح، لكن الجمهور يصدم في نهاية العرض".

يرجع السبب وفقا لرأى الممثل المغاري الأمين العام المساعد لاتحاد الفنانين الفلسطينيين إلى عدم وجود نساء في السابق يمثلن على خشبة المسرح، أما الآن فيوجد عدد يتراوح بين 4 الى 6 ممثلات فقط، الحضور النسوي في المسرح الغزي خجول، تشارك النساء في عروض مدرسية مغلقة مخصصة للفتيات أو من خلال تدريب الدراما للأطفال ضمن أنشطة مؤسسة أيام المسرح، ما يترك انطباعا بأنه تدريب لمعلمات رياض الأطفال وليس تمثيلا مسرحيا كي تحصل على موافقة أسرية واجتماعية للمشاركة".

سألت "الحال" المغاري عن سبب رفض المجتمع عمل النساء كممثلات في المسرح فقال: "يوجد اعتقاد خاطئ بأن العمل المسرحي يكثر فيه الاختلاط الذي لا يتوافق مع عادات وتقاليد المجتمع الغزي المحافظ، لذلك تبتعد عنه النساء على الرغم من أن وجودهن يصنع فارقا في تأثير المحتوى على الجمهور المتلقي، ومن حقهن التمثيل فرسالتهن ثقافية، تربوية وأخلاقية".

كما يرى المغاري أن العمل المسرحي يتركز وفق ما تطلبه المؤسسات النسوية تبعا لخطة التمويل فلا يبني ثقافة فنية تؤمن بدور المرأة في التمثيل المسرحي وهي حالة تراجع عامة للمشهد الثقافي وخاصة المسرحي".

إلى جانب اعتباره غياب اهتمام الجامعات بالمسرح عاملا رئيسيا لتراجع مشاركة النساء المسرحية، يقول: "لا يوجد مسرح جامعي أو تخصص دراما ومسرح، ولا يوجد مسارح عامة في أنحاء القطاع، وعلى مدار العام، يبلغ إنتاج المسرح ثلاثة أو أربعة أعمال، فكيف سيرحب الجمهور بمشاركتها في التمثيل وسط غياب اهتمام منهجي واستراتيجي في المسرح وتوقف المشاركة في المهرجانات العربية والدولية".

والتقت "الحال" الممثلة وسام ياسين التي اعتبرت وجود النساء على خشبة المسرح يعطيه عمقا وصدقا وتمثيلا أفضل للواقع، والجمهور بشكل عام يستقبل كل شيء جميل ومتقن حتى وإن كان البعض لا يتقبل وجودها كممثلة، فبمجرد اقتناعه بالعرض ينسى الفروقات، ومشاركة الممثلات تعطي نتائج فعالة في ايصال المفاهيم المرتبطة بقضايا مجتمعية تخص المرأة، فلا يمكن للرجال أن يصلوا للحالة التي ستعبر عنها المرأة عن نفسها، وبلا نساء على المسرح لا يمكن ايصال أي رسالة تخصهن ولا يمكن التأثير على ثقافة المجتمع بما يخص قضاياهن.

كما أوضحت أن الحضور النسوي المسرحي ليس نصرة للمرأة فقط، فالممثلون الرجال لا ينصرون في أعمالهم الرجل فقط، هناك مجتمع متكامل يتجسد على خشبة المسرح  لخدمة قضايا عامة وخاصة.

وترى وسام أن النساء تنحصر أدوارهن أحيانا في أدوار تقليدية كالأم أو ابنة أو زوجة دون التطرق لأدوار مركبة ومعقدة  لقلة عددهن، لكنها ترى في الفترة القادمة بعد الانفتاح البطيء في المسرح ظهور النساء بأدوار جديدة.

وأكدت ياسين أن تقديم أعمال فنية ذات مستوى حضاري يدفع المشاهد لتقدير المسرح، إضافة إلى أن كون الممثلة قدوة بسلوكها مع المجتمع يزيل أي نظرة دونية لعملها ما يخلق فرصا جيدة لحصولها على أدوار مناسبة دون اقحامها من أجل الاستعراض فقط، لتكون مشاركتها حقيقية  فتصبح ممثلة شغوفة تؤدي أدوارا تخدم المجتمع. 

أما المخرج رامي السالمي، فيقول: "رغم الجهود المتواصلة لتغيير نظرة المجتمع، فبعض العروض تم ايقافها بسبب وجود امرأة، مع أن النص المسرحي عند كتابته يلتزم بالزي الفضفاض وخلوه من الاختلاط الجسدي حتى عند تصميم رقصة ترمز لمعنى محدد يقوم مصممها بجهد كبير لتلقى قبول الجمهور، هناك عروض لم نتمكن من عرضها في بعض المحافظات لأن الجمهور ليس لديه استعداد للتنازل عن عاداته، لكن يوجد أيضا نوع من النضج تجاه مشاركة النساء في العمل المسرحي، وتبقى الخيارات أمام العروض التي تتطلب العنصر النسوي نادرة فلا يتم اختيار الممثلة وفقا للدور بل لغياب الخيارات".

ويكمل السالمي حديثه لـ"الحال" بقوله: "وقوف النساء على خشبة المسرح يضفي حيوية ويساعد على تبادل الخبرات بين الجميع فتنمو الغيرة الايجابية المحفزة للأداء الابداعي، لا توجد هناك قيود تحد من قدرة النساء على التمثيل، لأنه ليس مجرد حفظ  للدور بل هو فهم للمعاني وتحليل للشخصيات والنصوص. في كثير من العروض، تفاعل الجمهور بصوت مرتفع لقدرة النساء على ملامسة مشاعرهم، لذلك نسعى إلى تطوير نظرة المجتمع تجاه وجود ممثلات مسرحيات من خلال مراعاة الثقافة المجتمعية عند كتابة النص واستمرار العروض حتى لو تم التنازل عن الجوانب الفنية، لأننا نسعى جاهدين على تطويع العمل وفقا للتقاليد كي لا يواجه بالرفض".

من جهة أخرى، بين السالمي كثرة التساؤلات عند غياب النساء عن  العرض المسرحي: "نواجه انتقادات لاذعة لأن الرجل قام بدور المرأة، وما يعزز حضور النساء المسرحي اصرارهن على ممارسة حقهن في التمثيل والتعبير عن آرائهن على خشبة المسرح.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018