الأرامل.. موت بطيء سببه عادات بالية وجشع الأقارب

 

كأن وفاة الزوج لا تكفي لتعيش المرأة الحزن والمعاناة، فبعد موته، موت للزوجة، لكنه موت آخر بطيء، يستهلك روحها، بسبب عادات وتقاليد، تحرمها من أبسط حقوقها، وتدفعها إلى زاوية خيارات مرهقة، وتضعها في صورة نمطية بشعة.

"الحال" التقت في هذا التقرير نساء ترمّلن، فتحدثن عن المعاناة التي بدأت تتوالي فصولها. وبعد نشر بعض الحالات التي تحتفظ "الحال" بأسماء صاحباتها، تحدثنا مع محاميتين، لتذكرا أهم حقوق الأرامل.

 

لا استحمام خلال "العدة"

توفي زوج "رجاء" وهي في العقد الثالث من عمرها، وكانت أمّاً لخمسة أطفال. تقول إن عادات أهل زوجها غريبة: "هناك فهم مغلوط عن العدة الشرعية نتيجة الجهل وعدم الوعي، أُجبرت على الالتزام بها".

ومن ضمن العادات التي التزمت بها رجاء طيلة فترة العدة عدم الاستحمام وألا ترتدي أي ملابس ملونة، وتمنع منعًا باتًا من تناول اللحوم والحلويات والحديث مع الرجال مهما كانت صلة القرابة إلا من وراء ستار، إضافة إلى عدم تسريح شعرها أو مشاهدة التلفاز.

حزنت "رجاء" على زوجها أول ثلاثة أيام، وبعد ذلك كرهته من كثرة الضغط النفسي الذي مورس عليها من قبل عائلته، وقررت أن تتزوج بعد انتهاء عدتها، إلا أن تهديد أهل زوجها لها بحرمانها من أطفالها حال دون زواجها رغم المعاملة السيئة التي لقيتها.

 

زواج الراتب

أما "أسماء"، فهي واحدة من فتيات كثر بقطاع غزة لم يكملن تعليمهن، تزوجت مبكرًا، وكانت في السادسة عشرة من عمرها، تقطن في بيت حانون، وقد استشهد زوجها في العدوان الأخير على قطاع غزة تاركاً معها ثلاثة أطفال، لتبدأ رحلة عذابها بعد الانتهاء من عزاء زوجها مباشرة.

طلبت منها والدة زوجها أن تذهب إلى بيت أهلها حتى تنتهي عدتها ولتستريح نفسيتها، وعندما عادت إلى بيتها تفاجأت بتغير أثاثه، وخيرتها والدة زوجها بين إخوة زوجها الأربعة، لتختار منهم زوجًا، وبعد انهيارها بالبكاء لفترة طويلة والتزامها الصمت، "تبرع" أحدهم بالزواج منها، فلم يكن أمامها أي خيار سوى الموافقة، فأهلها لم يتقبلوا فكرة الرجوع إليهم مطلقة أو أرملة.

لم يكن هدف زواج "أسماء" من "سلفها" تربية أبنائها وحسب، كما اعتقدت، فقد اكتشفت بعد فترة الهدف الحقيقي من الزواج، وهو مخصصات زوجها الشهيد.

معاناة "سمر" لا تختلف كثيراً عن "أسماء" في مرارتها والظلم الواقع عليها، فعندما توفي زوجها، بدأت تظهر خلافات مع أهله على راتب الشهيد، وبجانب الراتب، كانت تتلقى دعمًا من بعض المؤسسات الخيرية وكانت هي وكيلة أطفالها، ولا يصرف الشيك أحد سواها، وعندما تتسلم المبلغ، كان حماها ينتظرها على باب البنك ويأخذ الراتب ويعطيها مقدار المصروفات واحتياجاتها الضرورية جدًا، وهو من يتحكم بكل شيء.

أما "أحلام"، فكانت مشكلتها من نوع آخر، فقد تعاملت مع أشخاص عديمي الإنسانية استغلوا ضعفها وحاجتها المالية، فكان هناك دعم لأطفالها من بعض المؤسسات الخيرية الخارجية وعندما تذهب لاستلام الشيك تصدم بعدم مطابقة المبلغ الذي يتم صرفه لها مع الشيك الموقع، ويتم إخبارها أن المبلغ المخصص لها عبارة عن 700 شيقل، والممول طلب منها أن توقع على استلام 2000 شيقل على سبيل المثال.

 

رأي القانون

تقول منسقة مبادرة "مستقبلك اختيارك" في نقابة المحامين، المحامية روان أبو غزة لـ"الحال": بدأت تجربتي مع النساء الأرامل بعد مرور عام على العدوان الأخير، وتفاجأت من حجم الانتهاكات التي يتعرضن لها، وخوفهن من المجتمع".

وتتابع: لم نكن ندرك حجم المعاناة التي تعاني منها هذه الفئة، والتهميش الذي تتعرض له من قبل المؤسسات الحقوقية والمجتمع وحجمها الكبير خاصة بعد العدوانات المتتالية على قطاع غزة  وزيادة نسبة الأرامل في القطاع".

من جهتها، تقول المحامية زكية كريم لـ"الحال": "القوانين في الغالب حمت الأرملة، ولكن تعامل المجتمع مع المرأة بشكل عام والأرملة بشكل خاص هو ما حرمها من حقوقها". وأضافت: "المرأة لها الحق في حضانة أبنائها، فعندما يتوفى زوجها، يتم حرمانها من هذا الحق رغم صدور تعميم عن المجلس الأعلى للقضاء الشرعي بغزة ينص على إعطاء الحضانة للأم المتوفى عنها زوجها، ورعايتهم إذا اقتضت مصلحتهم ذلك".

وتتحدث كريم عما يحدث من بعض العائلات من حرمان الأم من حضانة أبنائها وبعض النزاعات التي تقع، طمعاً في المساعدات والمخصصات المالية، خاصة إذا كان الزوج موظفاً، ففي هذه الحالة يكون للزوجة نصيب في الراتب، وغالباً ما يتم حرمانها منه، إضافة إلى حرمانها من أطفالها بهدف الاستحواذ على الراتب.

ومن أكثر الانتهاكات التي تمارس على الأرملة، حسب كريم، عدم إعطائها المهر المؤجل وتوابعه من مهر معجل؛ وهذه مستحقات نص عليها الشرع والقانون للمرأة المطلقة والأرملة، يتم أخذها من التركة في حال وفاة الزوج، وهناك العديد من العائلات التي أنكرت هذا الحق، ووزعت التركة دون إعطاء الزوجة نصيبها.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018