متنزهات النوى في غزة.. إعادة تدوير النفايات الصلبة باللعب

 

بين أشجار النخيل وعلى مساحة دونمين في مدينة دير البلح، تأسست متنزهات النوى المعروفة باسم الحاكورة والبيارة، والتي توفر مساحة لعب آمنة للأطفال صديقة للبيئة قائمة على إعادة استخدام المقتنيات المنزلية والنفايات الصلبة مثل البلاستيك والخشب والحجارة وغيرها.

التقت "الحال" منسق المنتزه سالم غنام وقال: "أعدنا إحياء مفهوم العمل التطوعي المجتمعي بمفهومه الايجابي، وساهمنا في تفعيل المشاركة المجتمعية لمؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب تفعيل دور الأهالي في إنشاء وتأسيس متنزه يعتبر الثاني بعد متنزه البلدية في المنطقة، والوحيد الذي يقدم خدماته مجانا".

في المتنزه، الحاويات عبارة عن صناديق خشبية ملونة، قال عنها غنام: "هذه الصناديق موجودة  لاستقبال تبرعات الأمهات من مقتنياتهن المنزلية التي توقفن عن استخدامها، وبدورنا نعلّم الأطفال كيف يستفيدون منها مرة أخرى. أما حاويات المهملات، فقد زينت بالفسيفساء المأخوذة من بقايا البلاط (الكراميكا)، ونخطط حاليا لتخصيص صناديق خشبية ملونة لتصنيف النفايات داخلها حسب لون الصندوق، لنحقق أعلى استفادة منها، ونساهم في نشر ثقافة التقليل من النفايات الصلبة، وإعادة استخدامها في ظل غياب مصانع متخصصة في إعادة التدوير".

أكملت "الحال" طريقها على دوائر خشبية زرعت كممرات في الأرض وبين أراجيح صنعت بأكملها من أعمدة خشبية تم التبرع بها بعد التوقف عن استخدامها، إلى جانب المقاعد الخشبية المركبة من صناديق نقل البضائع التجارية، وأخرى تبرعت بها وكالة الغوث، ويمكن للزوار أن يجلسوا على جذوع النخيل التي توزعت في المكان كمقاعد، بتبرع من أهالي المنطقة، أما سعفه فتحول إلى معرشات تقيهم من أشعة الشمس، وتزيين المكان وتجهيزه بالكامل نفذ بالاعتماد على منشطي جمعية نوى للثقافة والفنون، وفرق شبابية تطوعية عملوا جميعا، ليفرح الأطفال ويروا بأنفسهم أهمية إعادة استخدام النفايات الصلبة التي تشكل خطرا على بيئتهم.

ويمكن استنشاق رائحة الزهور العطرة والاستمتاع بمشاهدتها بعد أن تمت زراعتها داخل سيارة قديمة لا يمكن إعادة تصنيعها، كما يضم المتنزه ثلاثة باصات تحولت إلى قاعة لرواية القصة للأطفال دون السادسة، وآخر إلى مكتبة صغيرة لمن يرغب بالقراءة، وثالثها أصبح مكتبا إداريا للمشرفين.

علق غنام حول رقبته صافرة يصف أهميتها بقوله: "الصافرة الطويلة تعني أننا بحاجة لمتطوعين للتنظيف ممن لديه رغبة، والصافرة القصيرة انتباه للالتزام بالهدوء والنظام وعدم الشجار، وصافرتان متتاليتان تعنى وجود نشاط وعلى الأطفال التجمع. الصافرة لغة نداء يفهمها زوار المتنزه، فلا يتذمر الأطفال وأسرهم من القوانين بل يلتزمون بها، ويقضون وقتا ممتعا ومفيدا، ونقدم لهم أنشطة ترتكز على مبدأ التعلم باللعب يتشاركونها معا."

إحدى السيدات افترشت العشب الأخضر مع أطفالها الصغار، عبرت عن فرحتها قائلة: "أصبحت اليوم أفكر كيف أستفيد من علب الطعام بعد إفراغ محتوياتها، وكيف سأزين العلب البلاستيكية مع أطفالي لنستخدمها كأدوات مدرسية، أشعر الآن بمسؤولية أكبر تجاه التقليل من حجم النفايات اليومية، ولدي معرفة بضرورة الحد من استهلاك الأدوات البلاستيكية مثل أكياس النايلون".

أم أخرى لأحد الأطفال قالت بصوت يملأه السعادة: "لا أقلق على صغاري وأنا في المكان، هم يمرحون، وأنا أتعلم كيف أتعامل معهم بأسلوب تربوي، من خلال لقاءات تعقد داخل المتنزه، فنشعر أننا أصحابه، لذلك نحافظ على نظافته، ونشارك في تطوير محتوياته بإعادة استخدام أدواتنا المنزلية".

تقفز الطفلة ايمان سعيد من إطار لآخر وتتسابق مع صديقاتها قائلات: "نحن سعداء بإقامة متنزهات النوى، نقضي إجازة ممتعة نستمع فيها إلى القصص والمسرحيات، نتدرب هنا على كيفية التشارك في حماية بيئتنا". 

تأتي مبادرة متنزهات النوى لنشر ثقافة إعادة استخدام النفايات الصلبة بالتزامن مع مشروع مكب الفخاري الذي يخدم منطقة محافظات جنوب القطاع، وقد تم تحسينه وتطويره بتمويل ايطالي، فبدأ العمل فيه على عزل الراشح من النفايات لمنع تسربه إلى المياه الجوفية، وحمايتها من التلوث، أما مكب النفايات في منطقة جحر الديك الذي يخدم محافظة غزة والمحافظات الشمالية في القطاع، يتم العمل فيه على خطة للمدى القصير بفرز النفايات الصلبة بكميات بسيطة لعدم وجود تمويل، كما تواجه البلديات صعوبة في إعادة تصنيع وتدوير النفايات، حيث يتم جمع وترحيل 1800 طن يوميا من النفايات في قطاع غزة إلى مكبين رئيسيين سيخدمان القطاع حتى عام 2040 وفقا للدراسة العلمية التي أجرتها مؤسسة UNDP بالتعاون مع البلدية وعدد من المؤسسات الأوروبية لتطوير مكبات النفايات، وذلك حسب ما أوضحه مدير عام الصحة والبيئة ببلدية غزة المهندس عبد الرحيم أبو القمبز، الذي أكد أن محاولات استخدام النفايات الصلبة في القطاع ترتكز على أفكار فردية ومبادرات للجمعيات فقط، ولم ترتقِ بعد لمستوى نظام  استراتيجي متكامل، لذلك عملت البلدية بالتعاون مع سلطة جودة البيئة على تنفيذ حملات توعية مجتمعية لتشجيع ربات المنازل على إدارة النفايات المنزلية، بما يقلل من حجمها اليومي، لكن تبقى المشكلة الأساسية في صعوبة تعاون وتقبل المجتمع فكرة فرز النفايات الصلبة والتقليل منها، لاعتقادهم أنها مهمة البلديات وحدها.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018