عائلة حماد.. يستشهد الابن وصديقه وتصاب الابنة.. والوالد في السجن

 

يخبئ القدر الكثير لسلواد، هذه القرية التي طالما قدمت الشهداء في الانتفاضة الأخيرة، انتفاضة القدس، وكانت قائدة الصراع بأرواح شبابها الذين ما فتئوا يقدمون كل غال ونفيس، ولعل عائلة حماد مثال ناصع على الثمن الذي دفعته اسرة فلسطينية واحدة في سلواد.

يوم الرابع من ديسمبر، 2015، استشهد أنس، بعد ان نفذ عملية دهس على مدخل قريته، سلواد، شمال شرق رام الله، وقد أظهر مقطع "فيديو" جنود الاحتلال مبعثرين على شارع سلواد، ولم يصرح الاحتلال عن حالتهم وخسائره.

لم يكن أنس مقاتل الحرية الأول في العائلة؛ وكان والد أنس (بسام حماد) وهو إمام وخطيب في مسجد من مساجد سلواد، قد اعتقل إثر عملية ابنه، اعتقالا هو الثامن في حياته، وهذا الأب الذي سيظهر بعدها أنه نذر أولاده ليكونوا أصحاب قضية، قضية فلسطين كما يقول.

بعد أيام عشرة من استشهاد نجله أنس، سجن أبو أنس وحكم بالإداري، بينما هو بين جدران القسم 12، في سجن عوفر، يرقد ابنه في ثلاجات الموتى، ينتظر العودة إلى سلواد، ينتظرها وهو مسجى لا حراك، وقلوب الأهل يكاد يقتلها ظمأ الشوق والحزن.

روى الوالد لـ"الحال" كيف عايش في السجن نبأ استشهاد نجله، ويتذكر بالتحديد صديق أنس، الشاب محمد عبد الرحمن عياد، الذي عاد من الولايات المتحدة الأمريكية فور سماعه نبأ الاستشهاد، يتذكره بأسىً حين كانا يتسامران بعد استشهاد أنس، يضحكان حينًا ويبكيان أحيانًا، يخففان عن بعضهما.

 

صديقان وشهيدان معاً

يتذكر كل هذا، وفجأة وهو في السجن  يسمع بخبر استشهاد صديق أنس (محمد عياد) بعد 14 يومًا من استشهاد فلذة كبده الأولى، سمع الخبر من السجن، ولم يكد يصدق؛ حتى أظهر التلفاز صورة الشهيدين معًا على عاجل الأخبار، وعن هاتين الشهادتين قال: "كانا صديقين، الروح بالروح، فلم يرضيا أن يأخذ أحدهما من هذه الدنيا أكثر من الآخر، فكما أن الفرق بينهما 14 يومًا في الميلاد، كان الفرق كذلك في وقت الوفاة، وفي ذات المكان، وذات الهيئة، بعملية دهس أخرى". 

ولم ينس أبو أنس زجاجة العطر الفاخر وساعة اليد اللتين أهداهما له الشهيد محمد، لتظلا من الذكريات التي تذهب بالقلب بعيدًا في مجاهل الحزن، كلما مضى عقرب الوقت أو فاحت ريح الشهادة.

كل هذا وما بلغ الحزن أوجه، وما استوفى مذبح الحرية بعد أهله وخلانه، كل هذا وأبو أنس أنيس وحشته بين جدران عفنة، أكل الدهر عليها من أعمار الأسرى وشرب، يوزع الهموم على أبنائه الشهداء، ويقتطع من القلب مساحةً يخصصها للبيت الذي حن له واشتاق، ترك فيه عبد الرحيم، الابن الثاني بعد أنس يقوم على شؤونه بعد غيبته، وتلك وحدها مسؤولية تعبد الطريق لجيل هذه العائلة، ليتحمل مسؤولياته منذ الصغر.

 

لقاء الأب والابن في السجن

بعد أربعة أشهر، اعتقل عبد الرحيم، اعتقل لتنتظره أقبية التحقيق، في "بتاح تكفا"، فالجلمة، وأخيرًا في مجدو، لمدة 55 يومًا، كان القدر يرسم لقاء الأب بابنه، بعدما حرم لقاء الابن الشهيد بوالده، 55 يومًا خرج عبد الرحيم لا عليه ولا له، في هذا الوقت، كان أبو أنس يخيل إليه كل صرير باب يفتح يحمل إليه عبد الرحيم، ليطول الانتظار، ويلتقيا نهاية الأمر، يلتقيا في الأسر، لتعيد هذي الحادثة إلى الأذهان إنشاء الأسر من داخل السجون، تهريب النطف وولادة الأطفال في هذي السجون، هذا الشعب الذي يصر على أن الجيل القادم "ينبت حيث يرويه الدم".

خرج بعدها عبد الرحيم، وظل والده هناك يروي القلب بأمل اللقاء، لم يلبث عبد الرحيم بعدها ليعود مرة أخرى ليحكم عليه بالسجن الإداري، ومن ثم انقلبت الحادثة، فخرج أبو أنس الساعة 12 منتصف الليل، وظل عبد الرحيم أسيرًا هذه المرة.

تلك الليلة، كانت القبلة حيث الشهيدان، في مقبرتهما، قصدهما قبل البيت، وقصد ايضا قبر قريبته الشهيدة (مهدية حماد) بعدما أوصاه ابنها الأسير زكريا أن يسلم عليها، فبث بعضًا من لواعج قلبه وأحاديثه لابنيه الشهيدين أنس، ومحمد عياد.

ولحظة تسجيلنا لهذي القصة، لم أدر أن أبو أنس سيعود إلى الاعتقال بعد أن أمضى عشرة أشهر، إذ لم يمض على حديثنا غير ساعات. 

 

تقوى في المسيرة أيضا

وكانت الطالبة تقوى بسام حماد، تستعد لامتحانات الثانوية العامة، وهي الشغوفة والمتفوقة التي لا تغادر كتابها إلا وقت الحاجة إلى نسمات الهواء العليل، بين جبال سلواد الجميلة، فخرجت لتنعم بها، ولم تنس كتابها بالطبع.

وعلى نشرة الأخبار، سمع الأهل خبر إصابة فتاة من سلواد قرب مغتصبة (عوفرا) فطفقوا يسألون صديقاتها والأقارب عنها، ولا خبر، ومع الخبر وطبيعة الحدث، حتى علموا أن المصابة هي (تقوى)، فسادت البيت حالة من الحزن الشديد والبكاء، إذ أغمي على أم أنس.

تم التواصل مع الارتباط الفلسطيني؛ للتأكد من هوية المصابة، وانتهى الخبر بأن الإسعاف الإسرائيلي نقلها إلى مستشفى (هداسا)، ومن ثم أصدر الاحتلال الإسرائيلي قرارًا باحتجاز (تقوى) التي ما كانت إلا رمزًا للفتاة الفلسطينية الصابرة وجزءًا من العائلة الفلسطينية المضحية.

 

  • طالب في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018