ثقافة العنف في سوسيولوجيا المجتمع الغزي.. مدسوسة أم موروثة؟!

 

تتسم المجتمعات بالعديد من الثقافات التي ينحدر كل منها بفعل العلاقات بين الأفراد الذين يمثلون كيان هذا المجتمع، فمنها ما هو موروث تتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل، ومنها ما هو مدسوس بفعل التدخلات الخارجية التي تفرض نفسها على المجتمعات، وتعتبر ثقافة العنف إحدى تلك الثقافات؛ فهل تعتبر ثقافة العنف سمة موروثة أم مدسوسة في النسيج السوسيولوجي "العلم الذي يدرس المجتمعات والقوانين التي تحكم تطوره وتغيره" للمجتمع الغزي؟

ثقافة العنف بين جيلين

أكد أستاذ علم الاجتماع، إياد رابعة، أن العنف متجذر في طبيعة الحياة البشرية منذ أيام قابيل وهابيل، لكن تختلف حدته من مجتمع لآخر، مشيرا إلى أن الموروث الثقافي له دور في المجتمع العربي عامة وفي المجتمع الفلسطيني خاصة؛ كونه يعتز بالعادات والتقاليد، فيما يغلب عليه الطابع الذكوري وبالتالي التسلط والسيطرة مما يخلق جيل لديه مستوى عالي من العنف. 

وقال: "العنف هو نقيض للتسامح والمحبة والتي كانت موجودة في عهد أجدادنا، وهذا مؤشر على أن العنف كان متدني عكس المرحلة الحالية التي تشهد تغلغل لثقافة العنف داخل النسيج المجتمعي."

وحول ما إذا كان العنف في مجتمعنا الغزي ظاهرة أم ثقافة قال: "كانت في السابق ظاهرة؛ لكنها اليوم أصبحت ثقافة، فحين نرى العنف ولا نغير فيه شيئا بمعنى تقبل وجوده فهو أصبح ثقافة، وهذا ما يشكل خطراً على النسيج الاجتماعي".  

فيما أكدت مدير عام‏ ‏مركز الناصرة للثقافة والتنمية، المختارة فاتن حرب، أن هناك روابط بين أي موروث ثقافي والعنف خاصة في المجتمع الغزي فهناك نوع من العنف الموجه بصورة سلبية ضد فئات معينة في المجتمع، وقد تكون المرأة أكثرها تضرراً. 

وقالت: "ليس كل ما ورثه الأجداد للآباء ورثه الآباء للأبناء، فقد أصبح هناك زيادة في الوعي، والثقافة، وهذا ما يساهم في التخلص من كل ما هو موروث سلبي في حياتنا". 

 

معززات العنف

وفي التحليل السيكولوجي لظاهرة العنف؛ أوضح  أخصائي الصحة النفسية والإرشاد النفسي، محمود البراغيثي، أن قطاع غزة يعيش أزمة حقيقية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وهذا ما انعكس جلياً على بناء الشخصية العنيدة العنيفة، وهذا ما يفسر تزايد معدل الجريمة والتفكك الأسري، ناهيك عن انتشار الإدمان خاصة بين فئة الشباب الفاقد للأمل في مقومات حياة كريمة.

وهذا ما أكدته حرب خلال حديثها، فقالت: "لنكن واقعيين، حالة العنف في قطاع غزة تزايدت في الآونة الأخيرة بسبب الأوضاع المعيشية التي يحياها سواء من الحروب والانقسام السياسي، والحصار، فكلها عوامل ساهمت في ارتفاع وتيرة العنف."

وفي توافق للرأي، فإن الانقسام السياسي ساهم بشكل كبير في تعزيز ثقافة العنف وتفكيك الصف الفلسطيني، كما أن الإعلام الفلسطيني إعلام حزبي، يخدم أجندته السياسية، فهو يبث ما يعزز الفرقة الاجتماعية ويثير العنف والضغينة، وهذا ما تجلى واضحاً منذ الانقسام السياسي عام 2006، ناهيك عن أن الاحتلال الإسرائيلي يعد أحد أكثر العوامل المعززة للعنف، كما أن الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وهذا الانفتاح الكبير سهل إكتساب ثقافات مختلفة.

وعلى المستوى الداخلي قال رابعة: "أحد أهم الأسباب المعززة للعنف يكمن في غياب القانون فإذا غاب عامل الردع فهذا يعطيك مساحة لتمارس العنف كما شئت، هذا ولا يمكن الفصل بين كافة العوامل فجميعها مؤشرات تؤدي إلى العنف." 

 

التربية والتعليم.. نظرة تحليلية

ما من خلاف على أن الأسرة تعتبر اللبنة الأولى في بناء أي مجتمع، فإذا صلحت صلح المجتمع والعكس، كما أن للمدرسة دورا كبيرا في صقل شخصية الطفل الذي مع مرور الوقت يصبح شاباً يافعاً يعكس التنشئة الاجتماعية التي تربى داخلها، ولا يمكن الفصل بين المؤسستين إذا ما أردنا خلق جيل سوي متزن.

وقال أحد مشرفي الاجتماعيات بوزارة التربية والتعليم: "مجتمعنا في غزة مجتمع عنيف، والمعلم عنيف، وبعض البرامج في المدارس فيها نوع من العنف كالأنشطة اللامنهجية، كما أن ثقافتنا المجتمعية العائلية والقبلية وبعض أولياء الأمور تشجع أبنائها على العنف، وشاهدنا الأب يوصي أبناءه بضرب المعلم، والتعالي عليه للأسف الشديد".  

وحول دور المرشد الاجتماعي داخل المدرسة، أوضح أن جزءا كبيرا منهم غير مؤهل للعمل مع الطلاب، فقد جرى تحويل معلمين الفلسفة والمنطق وعلم النفس لمرشدين اجتماعين، وبالرغم من إعطائهم دورات تأهيلية  إلا أنها لم ترتقي إلى المستوى المطلوب.

وتابع: "هناك جفاء وانفصام بين المعلم والمرشد التربوي، حتى حين يقوم المرشد بمعالجة بعض القضايا التحصيلية لا يستطيع أن يضر بعلاقته بالمعلم فيقف بجانب زميله ضد مصلحة الطالب". 

وأردف قائلاً: "المجتمع المحلي عنيف وهذا ينعكس على المنظومة التعليمية، وبيئة المدرسة نفسها تؤدي إلى العنف، ولا يمكن غض الطرف عن البرامج التلفزيونية كالمصارعة والتي يقلدها الكثير من الأطفال ناهيك عن المسلسلات وأفلام الأكشن".

وقد "كشفت العديد من الدراسات أن المجتمع الفلسطيني يعاني من عنف أسري، فطريقة التعامل مع الأبناء قائمة على القمع والاستبداد، وهذا يعود للموروث الثقافي داخل الأسر فمجتمعنا مجتمع ذكوري تقليدي"، وفق ما أكده رابعة. 

  

مدسوس أم موروث

وقال رابعة: "مجتمعنا الفلسطيني يعيش في ميراث قديم بحكم النكبات والويلات التي مر بها بفعل الاحتلال، فأصبح العنف موروثا تاريخيا، لكن الأخطر من ذلك هو العنف الممارس من الفلسطيني تجاه نفسه".

وتابع: "هناك عوامل أخرى عززت من وجوده؛ منها العولمة، ودخول ثقافات جديدة على مجتمعنا، أيضا الإعلام ساهم، والأحزاب تتحمل جانب من المسؤولية، ووسائل التربية أيضاً اختلفت عن السابق، ناهيك عن إغراق مجتمعنا بمشاكل وأزمات أبعدتنا عن قضيتنا الأم وهي استعادة أراضينا المحتلة، فكلها عوامل دخيلة على المجتمع تولد العنف، وفي المحصلة يمكن لنا اعتبار ثقافة العنف مزيج بين ما هو موروث وما هو مدسوس على مجتمعنا الفلسطيني". 

وعلى النقيض يرى أحد مشرفي الاجتماعيات أن العنف ليس موروثاً، وإنما هو خلاصة ما أفرزته مجموعة من العوامل المتمثلة في الثقافة الدخيلة على المجتمع الفلسطيني، وقال: "لا ثقافتنا ولا تاريخنا ولا حضارتنا تدعم العنف، حتى الموروث الفلكلوري يدعو للتسامح، هكذا تعلمنا ونعلم أبنائنا." 

فيما أكدت حرب أن هناك عوامل أسهمت في زيادة وتيرة ثقافة العنف في المجتمع الفلسطيني، مشيرة إلى أنها قد تكون مقصودة،  وأن الإحتلال يعد أحد العوامل فهو معني في اختلاق حالة من عدم الاستقرار داخل المجتمع. 

 

آليات مناهضة العنف

شددت حرب على ضرورة تظافر كافة الجهود على الصعيد الحكومي والمؤسساتي لنبذ العنف، وقالت: "دورنا كوسطاء ومخاتير في الإصلاح المجتمعي؛ نحن نسعى جاهدين من أجل الحفاظ على نسيجنا الاجتماعي، بتعزيز ثقافة التسامح بين العائلات، والمساهمة في حل المشكلات بالتوصل إلى حلول مرضية لكافة أطراف النزاع."

وحمّل رابعة كافة الأطراف مسؤولية الحد من العنف بدءًا من مؤسسات التنشئة الاجتماعية، حيث تعتبر الأسرى أولاها، وانتهاءً بالدولة بكافة مكوناتها، وقال: "الحد من العنف يحتاج إلى إعادة هيكلة كافة مكونات المجتمع". 

وشدد على ضرورة منح الثقة للأبناء مما ينعكس على تكوين شخصياتهم، دون إغفال أهمية مراقبتهم ومتابعتهم وتوجيههم بشكل مستمر، مع ضرورة دعم ثقافة الحوار داخل الأسرة، ناهيك عن أن تعامل الزوجين ينعكس بشكل مباشر على الأبناء. 

وخلص للقول: "لمعالجة هذه المشكلة نحتاج لعشرات السنين حتى نقنع الجيل الجديد بأن المسيرة السابقة هي مسيرة مشوهة تحتاج إلى تغيير في الفكر والوعي، وهنا يجب أن يقوم الإعلام بدوره كي يعيد الترابط الاجتماعي المتشبع بثقافة التسامح وتقبل الآخر".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018