تفاهمات دحلان- حماس: حاجة الاثنين أم الإقليم؟ وهل ستنهي الانقسام؟ أم ستعمقه؟

 

بعد 10 أعوام على الانقسام، تدخل محافظات غزة أوضاعا اقتصادية وسياسية حرجة، وتجد حماس، التي تحكم هذه المحافظات بالقوة، نفسها مضطرة لخوض مراحل سياسية عسيرة آخرها كان عقد تفاهمات مع القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان، الذي تناحرت معه على السلطة عام 2007 في وقائع سمتها منظمة التحرير انقلابا، واطلقت عليها حماس صفة تطهير غزة من "التيار الدحلاني" آنذاك. 

وتقول حماس إنها في التفاهمات مع النائب دحلان تحقق المصالحة المجتمعية من ناحية، وتنقذ وضعها الصعب في إدارة قطاع غزة المحاصر من ناحية أخرى، وتلك التفاهمات لن تعود بالفائدة على حماس فحسب، فدحلان ايضا ستكون له عودة قوية على الساحة السياسية بخطوات تنفيذية ان تحققت هذه التفاهمات. وستحل مصر من خلال هذه التفاهمات مشكلة تأمين الحدود وتسلل المتطرفين عبر سيناء لغزة بتعاون حماس مع الأمن المصري. 

"الحال" في هذا التقرير تتحدث مع محللات سياسيات للوقوف على حقيقة هذه التفاهمات وإمكانية تحقيقها، وهل من الممكن ان تكون بديلا عن المصالحة الوطنية؟ والى أي درجة ستحدث هذه التفاهمات اما شروخاً او تضامناً داخل حماس او فتح؟ وما مستقبل هذه التفاهمات التي تأتي بدوافع مصالح سياسية وليست من رحم الوحدة الوطنية التي اعتادت المكونات الفلسطينية على بلورتها تاريخيا؟

 

هل ستلغي التفاهمات المصالحة؟

قالت المحللة السياسية رهام عودة انه "لا يمكن اعتبار تفاهمات حماس ودحلان بديلاً عن المصالحة الوطنية، فالمصالحة الوطنية يجب أن تكون شاملة لجميع الأطراف الفلسطينية ولا تقتصر على مصالحة بين شخصيات سياسية وفصيل حزبي واحد، بل يمكننا ان نطلق عليها صفقة ثلاثية الأبعاد: أمنية بالاتفاق مع مصر في مجال تأمين الحدود، وسياسية مع دحلان تضمن له العودة للساحة السياسية بشكل قوي، وانسانية لتكون هدنة مؤقتة لشعب غزة في ظل الأوضاع السيئة التي يعانيها".

واعتبرت الصحافية نجود القاسم "ان التفاهمات جاءت بعد فشل جهود المصالحة التي بذلت على مدار سنوات الانقسام، وحسب تصريحات ما بعد الاعلان عنها، فان هدفها الأساسي تحقيق المصالحة المجتمعية وانقاذ قطاع غزة من ويلات الحصار، لكن اذا تعدت الحدود الانسانية فانها ستكون بديلا عن المصالحة، لأن إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة يتم في اطار وطني جامع".

وقالت الصحافية هداية شمعون: "الأمر مرتبط بإعادة ترتيب العلاقات بين الأطراف الفلسطينية ومحاولة كسب مزيد من المؤيدين لكل طرف، بما يحقق مصالحهم المشتركة، ولكن هذه التفاهمات التي تبدو أكثر وضوحا من خلال زيارات وإعلانات وتصريحات كلا الطرفين، إنما هي مؤشر على وجود مثل هذه الحوارات، وبتصوري لن يكون أبدا بديلا عن المصالحة الوطنية الفلسطينية التي تلزم وجود كافة الأطراف الفلسطينية".

وقالت رئيسة تحرير صحيفة الحدث رولا سرحان ان "التفاهمات ما بين الطرفين تقوم على المصالح السياسية المشتركة، فبالنسبة لدحلان تشكل هذه التفاهمات مدخلا لعودته لاعبا إلى الساحة السياسية الفلسطينية عبر بوابة غزة من الداخل وليس من الخارج، أما بالنسبة لحماس، فيشكل دحلان في المرحلة الحالية بوابة النجدة لها في ظل الأوضاع الإقليمية السائدة وحاجة حماس الملحة للتقارب مع مصر لتفكيك الحصار المفروض على قطاع غزة".

 

أثر التفاهمات على وضع حماس الداخلي

ويعد عقد التفاهمات مع دحلان مرحلة حرجة لحماس التي طالما بررت وجودها في سدة السلطة في غزة انه لطرد ما كانت تسميه نظام دحلان قبل عشر سنوات، وهنا طرحنا على الصحافيات والكاتبات اللواتي اجرينا معهن المقابلات في هذا التقرير السؤال  التالي: كيف ستؤثر هذه التفاهمات على حركة حماس ومواقفها السياسية في المراحل المتقدمة من تحقيقها؟ 

تقول عودة: "ستكون للتفاهمات آثار إيجابية على حماس، إذ ستكون بمثابة المسعف القوي لها في غزة في ظل زيادة الضغط الشعبي عليها الذي يطالبها بإيجاد حلول عاجلة لمشاكل غزة، وأيضا سترمم علاقة حماس المضطربة مع حكومة السيسي. لذا، من أهم تبعاتها أنها ستعطي حماس الفرصة الذهبية لكي  تبني علاقة قوية مع مصر ومع دول الخليج الكبرى، ما سيمهد لها الطريق لاستعادة الدعم العربي".

فيما تعتبر القاسم أنه "قد تكون لذلك تبعات محدودة على صعيد الحياة الداخلية، لأن الحصار المفروض على قطاع غزة وما وصلت إليه الاوضاع الانسانية فيه وتقديم دحلان على أنه المنقذ للقطاع يساعد حماس على تبرير هذه التفاهمات وتسويقها داخل الحركة. وهنا تبدو الحركة اكثر مرونة من السابق، ما ينسجم مع وثيقتها الجديدة".

لكن سرحان تعتبر انه "إذا ما قدر للتفاهمات ان تنجح، فانها ستقابل بالترحاب الكبير من أهالي غزة، فالوضع الكارثي الذي يعيشه القطاع يجعل من أي تحسن أو تغيير نحو الأفضل، ولو كان بسيطا، سببا لقبوله من أي طرف كان".

ولا تعتقد شمعون ان التفاهمات ستقود الى اية مستجدات، وتقول: "لا اعتقد أننا سنشهد انفراجات بسبب هذه التفاهمات لأن العلاقة اساسا معقدة  بين دحلان وحماس، وقبولها بها علنيا ليس تغييرا حقيقيا في مواقفها السياسية بقدر ما هو تكتيك تستخدمه لانعدام خياراتها بعد الحصار على قطر، وسلسلة القرارات التي قام بها أبو مازن بهدف احراج حماس واجبارها على التخلي عن اللجنة الادارية في غزة، لذلك هو ليس تغييرا جديا، لكنه ارتباط مصالح ومحاولة الخروج من عنق الزجاجة".

 

كيف سيرد الرئيس والمنظمة والحكومة؟

ولن تمر تفاهمات حماس مع دحلان مرور الكرام على منظمة التحرير، خاصة انها تهدد المعنى السياسي للمصالحة الوطنية التي يسعى الرئيس محمود عباس وكل الفصائل الى عقدها وانهاء الانقسام الذي اصاب القضية الفلسطينية في مقتل. والسؤال هنا: هل سيرد الرئيس والفصائل والحكومة ومنظمة التحرير على هذه التفاهمات أم أنهم سيتركونها لحال سبيلها؟

تقول عودة: "أعتقد أن موقف الرئيس واضح جدا تجاه تلك التفاهمات، فهو يعتبر دحلان قياديا مفصولا من فتح، وسيعارض بقوة تلك التفاهمات، وسوف يتجه إلى تنفيذ مزيد من العقوبات ضد حماس ومناصري دحلان في كل من الضفة وغزة. وموقف المنظمة سيكون نشر بعض البيانات والتصريحات التي تناشد كافة الأطراف العودة إلى الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام".

تؤكد سرحان ان "السلطة الفلسطينية في الضفة كان لها موقفها الواضح من هذه التفاهمات، وأكدت مرارا أنها لا تخدم المصلحة الوطنية، بل ستعمق الانقسام وستزيد من حدة القطيعة السياسية بين الضفة وغزة، وسنشهد المزيد من الإجراءات التي ستتخذها السلطة في الضفة تجاه غزة".

فيما تعتبر شمعون أن "تفاهمات حماس دحلان ستثير المزيد من الغضب في رام الله والحنق على حماس، لأن الاطراف المؤثرة في مثل هذه العلاقة ليست فلسطينية خالصة، كما أن حماس لن تسمح لنفوذ دحلان بالانفتاح الكامل، وستظل مسيطرة على كل ما يتعلق بالجانب العسكري والسياسي".

 

أين الفصائل.. أين حياتها السياسية؟ 

ويعد تحقيق أي نوع من المصالحة أمراً حسناً في ظل تفشي الغضب والتوتر العام في محافظات غزة، ولكن الحديث عن تفاهمات فقط في غزة بتحييد باقي الفصائل ليس بديلا عن المصالحة الوطنية التي يجب أن تحضن الكل الفلسطيني، فمن المستفيد الأكبر من هذه التفاهمات وهل ستثمر فعلاً؟ 

تقول عودة: "المستفيد الأكبر من التفاهمات هو حماس، التي ستستعيد مكانتها العربية وستتخلص من الضغط الشعبي عليها، ودحلان الذي سيحسن صورته أمام الشعب الفلسطيني ما قد يؤهله في المستقبل للفوز بالانتخابات الرئاسية، ويمكننا القول أيضا إن المستفيد قد يكون مواطني غزة الذين يعانون من الحصار منذ أكثر من عشر سنوات ويحتاجون لبريق أمل من أجل الحصول على حياة إنسانية كريمة، ويمكن اعتبار التفاهمات هدنة إنسانية مؤقتة".

وتشدد القاسم على ان "المطلوب هو ليس تفاهمات جانبية بين حماس ودحلان، وانما تفاهمات بين الكل الوطني، لأن التفاهم بينهما نتاج لمصالح مشتركة، وان قادت هذه التفاهمات الى الانفصال، فهذا يعني اضعافا للوضع الفلسطيني، ونحن امام شرخ ابدي في الجسم الفلسطيني، والرابح الوحيد هو اسرائيل التي تسعى لاقامة كيان منفصل في قطاع غزة".

فيما تعتبر سرحان ان "المستفيد من هذه التفاهمات، هو الاحتلال بالدرجة الأولى، فنحن للأسف دائما نوفر له المخرج والذرائع، ونظهر منقسمين، نعاني من تآكل في الشرعيات السياسية وقيادة لا تمثل الجميع، في حين أن منهجية عمل المحتل واضحة، تزيد من هذا الشرخ، بينما تقضم الأرض وتخلق وقائع جديدة".

وتصف هداية شمعون: "التفاهمات ستكون مفيدة لكلا الطرفين في الوقت الحالي، لكنها منزوعة الثقة بسبب إرث الانقسام وبداياته، لذلك، فهشاشتها ستبدو جلية في الوقت القريب. وقد تكون مثمرة بالنسبة لغزة التي تعاني من واقع سيئ، ولكنها أيضا ستزيد من إرهاق الناس بتجديد ولائهم لمن يملك موارد أكبر وبمن يسهل لهم حياتهم، الناس بحاجة لمن يصغي لمعاناتها ولن تهتم كثيرا عن طريق من؟

 

  • طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018