"بيت الطاعة".. بين الثقافة السينمائية والتشريع القانوني والديني

 

ارتبط مصطلح "بيت الطاعة" في مجتمعاتنا العربية بأحكام الشريعة الإسلامية، وهذا يعود إلى الإعلام والدراما التلفزيونية التي تقدم صورة مبهمة حوله، فهل بيت الطاعة من المصطلحات الدخيلة أم تشريع من التشريعات أم من القوانين الوضعية؟ في هذا التقرير، سنتعرف على بيت الطاعة من خلال آراء مختصين.

 

حقوق وواجبات أم جهل واستبداد؟

أوضح قاضي رام الله الشرعي سابقاً حيان الادريسي أن مدلول الطاعة في الاسلام ليس القصد منه التجبر والاذلال، وإنما طاعة الزوجة لزوجها فيما شرعه الله، مؤكداً أن دعائم الأسرة وأساسها عند اقتران الزوج بزوجته هي آية المودة والرحمة والسكينة التي أوردها الله في كتابه الكريم، وليس استخدام القوامة للرجل كتحكم وسيطرة وجبروت تجاه المرأة، كما لم يأمر الله المرأة بالإطاعة المطلقة لزوجها إلا في حدود شرعيته، فالإنسان مكرم ولا يجب إهانته أو إذلاله.

وأضاف: "في ظل قانون الأسرة عام 1976ـ كان بيت الطاعة يقضي بإجبار المرأة للعودة لمنزل زوجها بالقوة ويتم تنفيذ الحكم من خلال الشرطة، ولكن هذا القرار والمواد التي تلأمر بذلك تم تغييرهل، لأن هذا القرار لا يتوافق مع عملية استنباط الأحكام من الفقه الإسلامي ولا مع ما يقتضيه التغيير في العصر الحديث، كما أن المواد الموجودة حالياً في القانون تطالب ولا تلزم المرأة بالرجوع لزوجها، وفي أغلب الأحوال يكون القضاء في صف الزوجة".

وأكد الإدريسي أن "أسطوانة بيت الطاعة عندما كانت تؤمر المرأة وتجلب بالقوة تلاشى مع القانون الجديد، وما تتداوله بعض الحركات النسائية في هذه المواضيع عملية مزايدات ونبش بالعظام".

من جهتها، تساءلت المستشارة القانونية في مركز المرأة للارشاد القانوني والاجتماعي ريما شماسنة: هل يعتقد الرجل أنه برفعه قضية الطاعة سيجبر زوجته للرجوع إليه؟، فمعظم قضايا الطاعة التي يتم رفعها من قبل الرجل "خاسرة"، ولا يستطيع كسبها إلا في حالات نادرة، مؤكدة أن الجهل والنظرة الذكورية تدفع الرجال لرفع قضية الطاعة للضغط على المرأة ومساومتها من أجل الطلاق مقابل الإبراء العام. وقد سجلت لدى المحكمة في عام 2011 (57) دعوى طاعة، 5 من هذه القضايا "قضايا نشوز"، وهي دعاوى شبيهة بدعوى الطاعة.

أما مدير مركز نون للدراسات القرآنية د. بسام جرار، فأشار إلى أن فكرة بيت الطاعة قائمة كمسألة حقوق وواجبات لكلا الطرفين، ولكن ليس بإجبار الزوجة على العودة والاستعانة بالشرطة كما كان قديماً، فهذا ليس له أصل شرعي ومخالف للأصول الدينية. وأضاف: "بيت الطاعة كمفهوم يعطي انطباعات سلبية على ضوء الواقع القديم ليس الحالي، وهو أوهام مخرجي أفلام قديمة، وهنا تكمن المشكلة في التسمية، وفي نظرة الناس لموضوع الطاعة، أنا أرى أن مسألة طاعة الزوجة لزوجها من عدمه علاقة بينها وبين الإله، ولا يجب للبشر التدخل فيها من خلال قوانينهم".

بدورها رأت مديرة جمعية المراة العاملة للتنمية الناشطة الحقوقية آمال ابو خريشة أن التعديلات المتعلقة بموضوع جلب المرأة بالقوة "مجرد اجتهاد تجميلي من قبل المحكمة التشريعية"، وهي قرارات إدارية، والقانون أقوى من القرار الإداري، وبالتالي باستطاعة أي محامٍ الطعن بمثل هذه القرارات. وأشارت إلى أن جميع المنظومة التي يستند إليها قانون الاحوال الشخصية تم إصداره من قبل برلمانيين أردنيين في الخمسينيات بدون مشاركة أي امرأة في البرلمان في ذلك الحين، وبالتالي تم تطويع وقراءة الشريعة الإسلامية وفق مصالح الرجال، وأضافت: "عمر القانون أكثر من نصف قرن وما زلنا نعمل به في المناطق المحتلة، مع أنه يتناقض مع وثيقة الاستقلال والقانون الأساسي الفلسطيني ومع التحولات والتغييرات على مكانة المرأة في المجتمع، وبالتالي فهذا القانون وبنوده تكريس لسلطة واستبداد الرجل للمرأة ضمن العلاقة الزوجية وخارجها". 

 

دفوع بيت الطاعة

المستشارة القانونية شماسنة تحدثت عن هذا المفهوم وقالت: "لا توجد امرأة تخرج من بيتها دون سبب، ومن هنا يأتي دور المحكمة لمعرفة ما يدفعها للخروج، وهذا ما يطلق عليه قانونياً دفوع بيت الطاعة". وفي نفس الموضوع، أضاف القاضي الإدريسي أن المرأة قد تخرج من بيتها لأسباب شرعية يكفلها القانون وأخرى غير شرعية لا يكفلها القانون، ومن الاسباب الشرعية التي لا يعتبرها القانون ناشزا تعرضها للضرب المؤذي وإهانتها بالألفاظ البذيئة، وعدم شرعية المسكن، وعدم استئمانها على مالها.

 

مواصفات بيت الطاعة

وأكدت شماسنة ضرورة أن يكون البيت مستقلا ومستوفياً لجميع المستلزمات الشرعية والأساسية كي تستطيع المرأة قضاء حاجاتها الدينية والدنيوية بتستر. وقد وافقها القاضي الإدريسي مؤكداً على حق الزوجة أن تعيش في بيت مستقل بعيد عن اي مسبب للاختلاف وهو حق لها حسب الشرع. وأشار بقوله: "على الرجل إسكان زوجته في منزل آمن سليم حسب طاقته وإمكانياته، ولا يصح لرجل ميسور الحال اسكان زوجته في مكان رذيل لإهانتها وإذلالها".

 

مماحكات مالية

أما فيما يتعلق بالنفقة، فقد أجمع شماسنة والإدريسي على أن النفقة حق للزوجة على زوجها داخل البيت وخارجه ما لم يتعارض مع القوانين الشرعية، وما دام عقد الزواج قائما، فمن حقها النفقة، وتستطيع المطالبة بها من وقت "كتب الكتاب". وأشارت شماسنة إلى أن المرأة في اغلب القضايا عندما ترفع قضية نفقة، فمن أجل الوصول لحل مع زوجها وهي "قضايا حركشة"، حسب قولها. ثم إن النفقة هو حل مرحلي مؤقت وليس أبديا، فبعد ذلك أمامهما طريقان، إما الوصول لحل فيما يتعلق بمشاكلهما من خلال الحوار، او إدخال العائلة كحكم من أجل الإصلاح، أو اللجوء للمحكمة وطلب الطلاق. وقد رأى جرار أنه من خلال المحكمة وقوانينها وأدواتها الشرعية ستصل للحق، "فإن كان لها حق، فعليها أن تأخذه، وإذا كان للرجل حق، فعليه أن يأخذه، لتحقيق العدالة للطرفين". وأضاف أن الغالبية العظمى من الأزواج عندما يشعر أن زوجته لا تريده لا يتمسك بها، قلة منهم يردون برفع قضية الطاعة التي أساسها "مماحكات مالية".

من جانبها قالت خريشة إن الزواج قبول ورضى، وعندما تنتهي هذه المقومات، فالحل الأمثل اذا وجدوا أنفسهم في طريق مسدود اللجوء للطلاق وليس اللجوء لبيت الطاعة الذي عدته "تصرفا تخلفيا رجعيا فيه إهانة للانسانية واستعبادا للمرأة"، وهو حسب قولها شكل من اشكال العنف المشرع، ويجب القضاء عليه وإلغاؤه من القانون". وأضافت أن الحركة النسوية قدمت اقتراحات لتعديل بعض القضايا التي تعد أساسا لعبودية المرأة، من اجل سن قانون أحوال شخصية يستند إلى المساواة والعدالة، وليس إعادة تدوير النصوص للإيحاء بأن هناك تغييرا.

إن بيت الطاعة الذي يعتبر جزءاً من قانون الاحوال الشخصية "كمصطلح"، وما يقتضيه من إجبار المرأة على الرجوع لبيت زوجها، لا أساس شرعيا له، وقد حرمه الله لما يقع على المرأة من ظلم واضطهاد.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018