المؤتمرات والورشات.. ضرورة أم "صرخة في واد"

 

يقام في غزة يوميًا عدة مؤتمرات وورشات وجلسات مساءلة وغيرها، وتعد هذه الفعاليات إحدى آليات العمل المجتمعي والمشاريع التنموية والتوعوية، كما أنها تتابع معظم جوانب الحياة، وبعضها يستهدف القطاعات النسوية والشبابية، لتساعدها على تجاوز التحديات.

هناك من يعتبر هذه الفعاليات والمؤتمرات "صرخة في وادٍ"، لأنهم يستعجلون النتائج وينتظرون دون صبر تحقيق التوصيات التي تمخضت عنها، كما أن تردي الأوضاع في جميع مجالات الحياة في قطاع غزة، والفجوة بين المواطن والمسؤول رغم أن بعض جلسات المساءلة تجمع بينهما؛ تشير بالفعل إلى عدم جدوى كثير منها، وتدفع المواطن إلى اعتبار تنظيمها هدراً لمال هو بأمس الحاجة له، أضف إلى ذلك نظر البعض بريبة إلى الجهات المنظمة التي يتم اعتبارها تفعل ما تفعله لتنفيذ أجندات خارجية تخدم سياسة الممول أولاً.

كان هذا الرأي قريبًا مما عبّر عنه الكاتب الشاب عمر أبو شاويش الذي كثيرًا ما تتم دعوته للمشاركة وحضور المؤتمرات والفعاليات داخل غزة وخارجها، لكنه لا يلبي إلا النزر القليل منها، فهو يعتبرها، وخاصة في الفترة الأخيرة، لا تحقق الأهداف المرجوة، سوى أنها خلاصة لمشاريع تنفذها جمعيات ومؤسسات مختلفة، تستعرض خلالها أهدافها، لذا يلاحظ أن الأمر شكلي أكثر منه مهنيا وهادفا.

يقول: "أوراق العمل التي يتم عرضها أحيانًا يكون مضمونها وتوصياتها هادفاً، لكن لا يتم الأخذ بها، وكان الأجدر أن يتم التداعي لتنفيذها على المدى القريب والبعيد"، مضيفاً أن القيمة الحقيقة هي مدى الاستفادة لتصبح التوصيات واقعًا ملموسًا وذات مردود إيجابي على المجتمع.

 

أين الاستدامة؟

وفي إشارة منه إلى مؤتمر شبابي عُقد مؤخرًا في غزة، أشاد بمضمون المحاور والتحضيرات اللوجستية معتبرًا إياها على مستوى عالٍ من الترتيب الفني والإداري، لكنه بخصوص أحد مخرجاته "تأسيس هيئة شبابية ثقافية عربية تتابع تنفيذ توصيات المؤتمر"، تساءل "متى سيتم الإعلان عن تشكيلها ولمس عملها على أرض الواقع؟ وبخصوص الكثير من النتائج، فأين الاستدامة؟". وأضاف: "المؤتمر انتهى منذ فترة قريبة ولن أتسرع في الحكم، لكن التجارب السابقة تجعلني أحكم من الآن"، كما أبدى اعجابه بالتجارب الشبابية التي عُرضت، لكنه يتمنى أن يرى وجوهًا شبابية جديدة غير التي اعتاد الجمهو عليها، مهما كانت تجاربهم طازجة.

 

تحدٍّ للواقع

خلود نصار فتاة شابة من غزة، شاركت في مؤتمر عقد أواخر حزيران المنصرم، وعرضت خلاله تجربتها في استخدام موقع "انستجرام"، حيث تلتقط الصور وتنشرها تحت عنوان: "غزة كأنك فيها"، اعتبرت مشاركتها فرصة جيدة للالتقاء بالشباب بعيدًا عن العالم الافتراضي، وقالت: "لم تكن المشاركة أمرا جديدا، والوقت ليس كافيًا للعرض، لكنها بالتأكيد استمرار لعملي وتطوري، أعتقد أنني استطعت إيصال تجربتي وتشجيع الحضور ليعملوا على أفكارهم الخاصة".

وترى نصار أن وجود الفعاليات المختلفة مؤخرًا يأتي من باب اثبات الوجود وعدم التفرج والاكتفاء بالصمت، كما أنها تحد للواقع والاستمرار في دورة الحياة شبه المتوقفة في غزة، وأضافت: "عن جدواها، لا أعتقد انها تصل للمستوى المطلوب من التغيير، لأن الجهات المعنية لا تسمع ولا ترى ولا تتأثر أو تؤثر، وربما التأثير محصور في نفوس الشباب –إن لامست شعورهم- ولو بشكل جزئي".

الناشط الشبابي والحقوقي الدكتور صلاح عبد العاطي أوضح أن السبب في ضعف التغيير وتشتت الجهود المؤسساتية والشبابية هو الافتقاد إلى نظام مؤسساتي وآليات تغيير بصحة سليمة، فالنظام السياسي في فلسطين منقسم، والأصل أن هذا النظام عليه التقاط التوصيات والبحوث التي تنتج عن المؤتمرات وتحويلها إلى أفعال تلتحم على أرض الواقع.

وأضاف: "ما يحدث أن مخرجات هذه الجهود تتوجه إلى الاعلام ومن ثم الجمهور، وليس النظام المنوط به التغيير، فيتلقى الجمهور الأخبار والمستجدات دون استفادة يشعرون بها، لذا يحمل أغلبهم انطباعاً سلبيّاً تجاهها.. ولأننا في غزة بوضع اقتصادي حرج، اعتدنا على تلقي المساعدات الاغاثية، يعتبر الكثيرون أن هذه الجهود صرفاً للأموال في اتجاه غير صحيح.

وتابع عبد العاطي: "لا يمكن اعتبار هذه الأجواء ترفًا، إننا بحاجة إليها؛ مؤتمرات ونقاشات وأمسيات ثقافية وموسيقية وغيرها، والعديد من هذه الأنشطة استطاعت الضغط وإيجاد الحل، كالمحاولات التي تعمل لتخفيف معاناة مرضى السرطان وتوفير المواصلات لهم"، مؤكدًا أن بعض الجهود، وعلى قلتها، إلا أنها تحرز تقدمًا لصالح المواطن، لذا لا بد من تكامل هذه الجهود مع استراتيجيات التغيير لتتحول إلى حراك يسلط الضوء على الإخفاقات والاحتياج في المجتمع.  

وعن إحدى مشاركاته، يقول عبد العاطي: "أنا باحث جاد، أحتك بالشباب في جميع المجالات وأدربهم في موضوعات متنوعة، أعرف واقعهم وكنت يومًا رئيسًا للحركة الطلابية في الجامعة، يروعني القمع والحزبية والدفاع عن الانتهاكات من قبل بعضهم، لذا أتحدث إليهم من قلبي وعقلي وأصدمهم كي يفيقوا".

ودعا عبد العاطي إلى عدم تقييد حرية الشباب، معتبرا أن تطوير قدراتهم مسؤولية الجميع، ومسؤولية المجتمع المدني الذي تراجع مؤخرًا، كما طالب بأن تمتد الأنشطة إلى الأماكن الفرعية في القطاع وعدم تمركزها في غزة فقط.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018