"السنونو".. رقة الموسيقى وسط ضوضاء المآسي

 

كان الصوت يشدنا أكثر فأكثر ونحن نسير الى غرفة العزف حيث دندنة العود بأصالته الشرقية وامتزاجه بصوت الطفلة الفلسطينية وهي تشدو "موطني"، وكنا كلما اقتربنا أكثر ازداد احساسنا بالفرح والفخر والإعجاب وانتعشت روحنا الوطنية.

 

مواهب غضة

كانت ملك الحلو (12 عاما) تنشد موطني بصوت يملأه الأمل وإحساس مفعم بالوطنية يتحرك داخل عينيها وهي تراقب العود، فتؤكد أنها تعشق الأغاني الوطنية ومنذ صغرها وهي تشارك في حفلات المدرسة وتحاول تعلم الأغاني الفلسطينية التراثية.

تقول الحلو: "لم أتردد عندما عرضت علي والدتي أن تلحقني في مؤسسة السنونو لأتعلم الموسيقى وأتعلم الغناء بشكل متقن، وهنا وجدت عالما آخر ومواهب مختلفة. لم أكن أتخيل وجود هكذا مؤسسة هنا في غزة".

الحلو التي تمتلك صوتا غنائيا مميزا تسعى مؤسسة السنونو حاليا لتسهيل مشاركتها في برنامج  المسابقات الغنائي العربي الشهير الخاص بالأطفال "ذا فويس كيدز" في الموسم الجديد.

وفيما يتقن الطفل حسين والي العزف على العود ويندمج في كورال المؤسسة، فإنه يرى في تعلم الموسيقى ما هو أكبر من حدود الآلة التي يحبها فيقول: "هذا المكان هو عالمنا الخاص والمختلف. هنا نعيش  لحظات أجواء طفولة طبيعية بعيدا عن معاناتنا من الكهرباء وحديث السياسة والحصار. نحن هنا أطفال نمارس أبسط حقوقنا في تنمية مواهبنا".

 

بلادي يا بلادي

يتفق زوار مؤسسة "السنونو" في غزة على أهميتها في تعزيز الحس الوطني عند الأطفال والكبار على حد سواء من خلال العزف على الآلات التي تمثل جزءا من التراث الفلسطيني كالعود مثلا أو أداء الأغاني الفلسطينية التراثية، التي تعزز من حب الوطن في قلوب الصغار.

تقول الشاعرة والإعلامية كفاح الغصين صديقة المؤسسة: "هنا في السنونو عالم آخر. هؤلاء الأطفال كالعجينة، نشكلهم على حب فلسطين وتراثنا الغني بمختلف أشكال الفنون وليس فقط العزف والغناء وإنما أيضا الدبكة والفلكلور الشعبي".

وتضيف الغصين التي بدأت في تعلم العزف على العود في المؤسسة: "رسالة السنونو تتجاوز تنمية المواهب الى تعزيز الروح الوطنية والانتماء لفلسطين ونقل الكم الكبير من تراثنا الزاخر الى الأجيال الجديدة، لأن أخطر السرقات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني هي سرقة التراث".

وترى الناشطة المجتمعية حنين رزق التي تتعلم طفلتاها العزف في السنونو أن الأوضاع التي نعيشها في قطاع غزة من حصار وفقر وانقطاع كهرباء جاءت بشكل كبير على حب الوطن والانتماء وهذا ما نخشاه نحن كأهل لا نريد أن يحدث.

وتقول رزق: "أريد أن يتربى أطفالي على التمسك بالأرض وبالهوية وبالتراث الفلسطيني. لا أريد للأزمات التي نعيشها أن تؤثر سلبا على هويتهم وانتمائهم وبالتالي تمثل السنونو فرصة من أجل زرع الأطفال في بيئة وطنية تراثية ترفيهية أيضا".

وتشير رزق ايضا الى أهمية استغلال الموسيقى كإحدى اللغات المشتركة عالميا، حيث وجدت في السنونو القدرة على ذلك من أجل إيصال صوت الأطفال والتعبير عن مشاكلهم وقضاياهم  ونقل صورة الواقع الذي يعيشون فيه ومعاناتهم بسبب الاحتلال وهو ما يجسده الأطفال فعليا في كل الاحتفالات والمناسبات الوطنية كيوم الاستقلال أو التضامن مع الأسرى أو ذكرى النكبة.

 

حمائم سلام

تعزيز الانتماء لفلسطين على الرغم من أهميته لكن في وضع استثنائي كوضع أطفال غزة، تهدف السنونو أيضا لتصحيح الصورة عن هذه المدينة المحاصر وعن سكانها، فهم يحبون السلام ويتمنون العيش بحرية وهدوء هم وأطفالهم، وهذا ما تؤكده مديرة المؤسسة عرب محمد التي قالت: "جميعنا في هذه المؤسسة لدينا رسالة واحدة وهي أن نوصل صوت أطفال غزة الى العالم وهو صوت السلام والمحبة".

وأضافت:" الموسيقى بالأساس هي رسالة محبة وتسامح وبالذات لو كانت من خلال الأطفال كعازفين وأصحاب أصوات جميلة، ومن هنا نحاول نقل صورة  أخرى عن أطفالنا الذين يتمنون العيش في سلام بعيدا عن الحروب ونتائج الانقسام الذي يدفعون ثمنه من طفولتهم".

تحدثت محمد عن استقطاب المؤسسة لحوالي 50 طفلا معاقا يتم تعليمهم الموسيقى لكن اللافت هنا أن حوالي عشرة منهم هم من أطفال المؤسسة لكنهم أصيبوا بإعاقات مختلفة جراء الحرب الأخيرة.

تقول محمد: "فجعنا بعد الحرب الأخيرة بخبر إعاقة هؤلاء الأطفال المبدعين والحالة النفسية التي يمرون بها بسبب الإعاقة، حيث عانوا من العزلة وعدم المقدرة على الاختلاط بالمجتمع".

وتابعت: "أعدناهم مجددا للمؤسسة مع عدد آخر من الأطفال المعاقين الذين يمتلكون مواهب فنية وبدأنا ببرنامج تأهيل نفسي ومن ثم دمجهم في البرامج الفنية في المؤسسة".

وتصف مشهد كورال السنونو وهو يضم على المسرح عددا من الأطفال المعاقين جراء الحروب بـ"المشهد غير العادي، فهؤلاء ضحايا حرب ويغنون للسلام".

وعلى الرغم من إقبال الأطفال على الالتحاق بالسنونو، لكن الأمر لا يخلو من منغصات، وعلى رأسها ندرة الآلات الموسيقية وصعوبة إدخالها الى قطاع غزة بسبب ارتفاع التكلفة والحصار الذي يعيق مشاركة الأطفال في الاحتفالات الخارجية وهو ما حدث في أكثر من مناسبة ليس آخرها دعوة منظمة اليونسكو لهم للاحتفال في فرنسا بيوم الطفل الفلسطيني.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018