إياكم وأكل السمك الملوّث في غزة!

 

مع انقطاع التيار الكهربائي، وتزايد ضرره، اتسعت الدائرة ووصلت إلى البيئة البحرية.

فقد لجأت بلديات القطاع، وبسبب الانقطاع الطويل للكهرباء، إلى ضخ كميات كبيرة وغير مسبوقة من مياه الصرف الصحي غير المعالجة في البحر، وهذا أدى لتلويث بل تسميم الأسماك، وبالتالي إلحاق ضرر كبير بمن يأكلونها.

ومن اللافت أن مصبات المجاري التي تجتذب الأسماك، باتت تجتذب الصيادين، فهي بيئة جيدة لعيش الأسماك، لذلك يكثر الصيد في محيطها.

 

سمك بطعم المجاري

بالقرب من مصب المجاري على الحدود المصرية الفلسطينية جنوب غرب قطاع غزة، كان يجلس الصياد أحمد ناصر ويمسك بيده صنارة طويلة، يُلقيها في الماء بين الفينة والأخرى منتظراً شعوره بارتجافة تُنبئه بوقوع سمك في شباكه.

ناصر أكد أن الأسماك الصغيرة تتواجد بكثرة في محيط مصبات المجاري، فهي أماكن مثالية لها من عدة نواحٍ: أولاً المياه القاتمة غير الشفافة توفر حماية لها من الأسماك الكبيرة، حيث تكون الرؤية صعبة، ثانياً تتغذى على الفضلات التي تصل مع مياه الصرف الصحي.

ولم ينكر ناصر خطورة الصيد في مثل هذه البيئة البحرية الملوثة، لكنه أكد أن فقر البحر وشح الأسماك يدفعه وغيره من الصيادين للحاق بها أينما ذهبت، وتتبُع أماكن تجمعها.

وأشار إلى أن السمك الذي يصطاده يعود به للمنزل، ويطلب من زوجته غسله جيداً بالماء النظيف ووضع الليمون والخل عليه، وهو بذلك يعتقد أنه خلّصه من التلوث ويمكن أكله.

لكن استشاري التغذية العلاجية د. مازن السقا أكد أن تلوث مياه المجاري يتعدى قشور السمكة من الخارج ويصل إلى لحومها وأحشائها، بحيث يشكل تناول الأسماك التي تعيش في أماكن تجمع مياه الصرف الصحي خطراً كبيراً على صحة من يتناولها، مضيفاً أن السمك الملوث يتسبب في اصابة الإنسان بأمراض بدءاً من "الحكة" وصولاً إلى السرطان، حسب مناعة الإنسان. 

وبين السقا الأعراض التي قد تظهر على الإنسان من جراء تناول السمك الملوث، والتي تكون في شكل مغص وغثيان وأمراض جلدية أخرى، مضيفاً أن هناك أعراضا قد تظهر بعد 6 شهور ويفاجأ بعد التحاليل الطبية بالإصابة، لذلك ينصح المواطنين بعدم تناول الأسماك خاصة في هذه الفترة التي يستمر فيها ضخ مياه الصرف الصحي. 

 

مخاطر بيئية

وقال أستاذ العلوم البيئية في الجامعة الإسلامية عبد الفتاح عبد ربه: إن "المياه العادمة تقذف في البحر بكميات هائلة في ظل الوضع المتردي الذي يعاني منه قطاع غزة بسبب انقطاع التيار الكهربائي، حيث إن البيئة البحرية تتلقى تلوثاً من عدة مصادر أبرزها المياه العادمة، في ظل قيام بلديات قطاع غزة يومياً بقذف من 110 إلى 120 ألف كوب من المياه غير المعالجة في بحر غزة، أي أن هذا الكم الهائل يشكل شهادة وفاة للبيئة البحرية. 

ولفت إلى أن أكثر من 70% من شاطئ بحر القطاع غير مسموح بالسباحة فيه، ومع ضخ مياه الصرف الصحي غير المعالجة ستزيد المساحة الممنوع للسباحة فيها، مؤكداً أن حل هذه الأزمة يتمثل في إزالة سببها، بتوقف ضخ مياه الصرف الصحي في البحر.

وأشار عبد ربه إلى أن مياه الصرف الصحي التي تغزو شاطئ البحر تؤثر على المواطنين والأطفال، وسيكونون معرضين للأمراض الجلدية ولالتهابات الأذن والعيون وأمراض الجهاز الهضمي  التي تسببها البكتيريا والميكروبات الموجودة في مياه البحر، أو التي تكون مخزنة في الرمال الموجودة على الشاطئ.

وتحدث عبد ربه عن مخاطر أخرى تسببها مياه الصرف الصحي التي باتت تشكل خطراً على الثروة السمكية، حيث إن المياه الملوثة تكون محملة بمواد مُمرضة مكونة من بكتيريا وميكروبات تتسبب بالأمراض لكافة أنواع الأسماك الموجودة في بحر القطاع، وتعتبر المياه العادمة مأوى للملوثات الكيميائية والفيزيائية والبيولوجية، وهذه المواد تسبب مشاكل صحية للبيئة البحرية التي تنتقل بعد ذلك للإنسان وتمرضه. 

وأوضح عبد ربه أن المياه العادمة مياه غير نقية، تحمل أتربة وأغبرة تدخل في خياشيم الأسماك فتعيق تنفسها وتسبب مشاكل، بالإضافة إلى الكيماويات، وخاصة اذا كانت مواد سامة، حيث تتركز وتتراكم وتنتقل السموم عبر السلسلة الغذائية للأسماك وتوثر على صحتها، محذراً من شراء أسماك من صيادين صادوها من مناطق بها مجارٍ. 

 

تحذيرات الصيد

من جهته، حذر مدير الخدمات السمكية بوزارة الزراعة جهاد صلاح من تناول الإنسان لنوعين من السمك على وجه التحديد، هما سمك البوري والجراس، اللذان من المؤكد أنهما يتغذيان على مياه الصرف الصحي نظراً لطبيعة السلسلة الغذائية التي تنمو عليها والتي تفضل التغذية في مثل هذه المناطق، موضحاً أن هذا النوع من الأسماك الكبيرة طبيعتها تضع بيضها بالقرب من الشواطئ،  وبالتالي تصبح معرضة  للتلوث بالمواد الكيميائية العالقة في المياه العادمة. 

وأوضح صلاح أن الأسماك الملوثة  قد لا تظهر عليها أعراض خارجية ظاهرية تبين أنها ملوثة، وقد تظهر السمكة الملوثة وغير الملوثة بحالة ممتازة، فلا يستطيع الإنسان تمييز ذلك، وبالتالي قد يقع ضحية لتلك الأسماك بعد تناولها. 

وأشار صلاح إلى أن معظم الحالات التي تصاب جراء تناول السمك الملوث، لم يتم تسجيلها وتوثيقها في مستشفيات قطاع غزة لصعوبة التشخيص، ولكن هناك أشخاص ظهرت عليهم أعراض جلدية أصيبوا بها، وثبت بعد ذلك بأنهم  يتواجدون باستمرار في مناطق مصبات المجاري للصيد. 

ونوه صلاح  إلى أن الوزارة  أصدرت عدة تحذيرات بمنع الصيد في تلك المناطق، "وأبلغنا الصيادين وجهاز الشرطة البحرية، ولكننا نؤكد أننا غير قادرين على ضبط الأمر، لأن هناك بعض الصيادين يخالفون الأوامر. 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018