أم مهند.. درست الماجستير لتعالج ابنها من التوحد

 

"أحسست أنه يعاني من شيء ما، لم أكن قادرة على تشخيصه، عرضته على الكثير من الأطباء، ولكن لم أجد جوابا، أوهموني أنه سليم معافى لا يشكو من شيء، إلا أنني أيقنت أنه ليس على ما يرام منذ أن كان داخل أحشائي".

بهذه الكلمات، بدأت حنين البنا (36 عاماً)، من مدينة نابلس، تروي قصة طفلها مع مرض التوحد الذي عانى ولا يزال من قلة الرعاية الطبية اللازمة على مستوى فلسطين.

تقول البنا: "مرت السنوات الأولى على مهند وكنت أدرك أن ثمة شيئا يحدث معه، بلغ عامه الخامس، العام الذي يؤهل أي طفل لخوض مرحلة جديدة من حياته في رياض الأطفال، وهنا بدأت الحكاية".

تكمل وعلامات التعجب من قلة الرعاية التي يواجهها أطفال مرض التوحد تبدو واضحة على وجهها: "بدأت الأيام تتلو بعضها وحال مهند لا يعجبني، لم يهدأ لي بال قط، وفي أحد الأيام رن هاتفي، وإذا بها مديرة الروضة تقول لي: "أسرعي بالقدوم إلينا، فقد زارنا وفد أطباء إماراتي من بينهم أطباء متخصصون، تعالي واشرحي له حال مهند وما يعاني منه، عله يجد له الدواء الشافي".

 

تشخيص متأخر

توجهت البنا إلى الروضة وفي قلبها تفاؤل لم يسبق أن شعرت به منذ ولادته، دخلت وقابلت الطبيب المسؤول، فشرح لها خطورة الوضع الصحي الذي يعاني منه مهند، فقال لها إنه يجب إحضاره إلى المركز من أجل التأكد من الأعراض والانفعالات والاضطرابات التي يعاني منها في بعض الأحيان.

في البداية، شعرت بنوع من الارتياح بعد مقابلة الطبيب، وتستكمل حديثها قائلاً: "بعد فترة لا بأس بها من التشخيص، أكد لي الطبيب أنه يعاني من التوحد وأن حالته تسوء يوما بعد يوم، أصبت بحالة من الذهول لهول ما سمعته، فلم أكن أدرك الأمر جيداً، لعدم وجود أطباء ومراكز متخصصة مؤهلة في فلسطين لهذا المجال".

بدأت البنا تجوب المدن الفلسطينية وتقطع المسافات علها تجد من يساعدها في علاج مهند، إلا أن محاولاتها باءت بالفشل، وتستطرد أم مهند: "اكتشفت مراكز تحمل اسم التوحد وعلاجه ولا تتقن العمل به، فللوهلة الأولى تدرك أنك على أعتاب المركز المنقذ، حتى توقن أنهم ليسوا متخصصين حقا بعلاج بمرض التوحد".

 

علاج ذاتي

بعد يأس ملحوظ خيم على عائلة مهند بأسرها، قررت البنا علاجه بنفسها دون الحاجة إلى أطباء، فتوجهت إلى البحث عن الموضوع ومعرفة المزيد عنه عن طريق الكتب والمجلات، ومع وجود الانترنت سهُل الأمر عليها أكثر.

وكما يقولون، فرب ضارة نافعة، تقول البنا: "بدأت بالتواصل مع متخصصين أجانب وعرب في مرض التوحد على الانترنت، وبالفعل وجدت ضالتي مع عدد لا بأس به من الأطباء في الدول العربية مثل السعودية والأردن ومصر، وفي كل نقاش كان يدور بيننا أتعلم أكثر فأكثر عن طريق النصائح والإرشادات التي زودوني بها للتعامل مع مهند".

وتكمل: "بدأت الآفاق لدي بالاتساع شيئا فشيئاً نظراً لكثرة المواد المخزنة لدي عن المرض وأعراضه وطريقة علاجه، حتى قررت دراسة الماجستير وجعل رسالتي عن مرض التوحد ونقص علاجه والمتخصصين في فلسطين، لتصل إلى كل دول العالم".

تقول والدة مهند: "كان الهدف الرئيسي من وراء كل ذلك إيصال صوت الكثير من الأمهات اللواتي يعاني أطفالهن من هذا المرض، لعلي أُساهم ولو بجزء صغير  في التغيير وتطوير الحال نحو الأفضل".

ومن هنا انطلقت رسالة البنا، تشمل دراسة واسعة عن المرض وتبعاته خاصة على الأطفال في الروضات والمدارس، وفضلت العمل في مرحلة رياض الأطفال حتى يتم تقديم العلاج اللازم لهم منذ البداية.

مهند الآن بلغ ثلاثة عشر عاما وهو ما زال يخوض مرحلة العلاج من المرض، فقد تعافى  بشكل جزئي منه بفضل والدته التي سخرت كامل قواها لإخراجه مما هو عليه إلى نور الحياة السليمة، وصار مثل بقية الأبناء المعافين.

وبعد العديد من الدراسات والأبحاث التي خاضتها الأم تبين لها وبإجماع العديد من المتخصصين أن التوحد عبارة عن اضطرابات وليس مرضاً بمعناه الحرفي، فهو يتبع لمجموعة من اضطرابات التطور المسماة باللغة الطبية "اضطرابات في الطيف الذاتيّ" (Autism Spectrum Disorders - ASD) تظهر في سن الرضاعة، قبل بلوغ الطفل سن الثلاث سنوات في أغلب الأحيان.

وبالرغم من اختلاف خطورة وأعراض مرض التوحد من حالة إلى أخرى، إلا أن جميع اضطراباته الذاتية تؤثر على قدرة الطفل على الاتصال مع المحيطين به وتطوير علاقات متبادلة معهم.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018