حكايتان

 

قررت خلال رحلتي إلى عطارة الأسبوع الماضي أن أزور شجرة زيتون كبيرة في السنّ، كنت أعرفها في تلك التلال اسمها "زيتونة"، لكنني وجدتها حزينة ومريضة، وأستطيع القول: غاضبة بجنون. جلست قربها وسألتها: "لم كل هذه المعاناة؟".

قالت: "لقد قضيت معظم أيام عمري حزينة، وازددت ضيقاً وغضباً بعد موت والديك اللذين كانا صلتي الوحيدة بالحياة في هذه الغابات. وها أنا أحيا الآن في محيط لا يسرّ البال. ولك أن تنظر من حولك لترى التراب ينحسر وتحل مكانه الصخور. وها هي الأعشاب تطاول قامتي، وتراني أكافح لأرى الشمس. وكم من السنين انقضت علي دون تقليم لأغصاني، باستثناء ما تقوم به الماعز من مضغها وأكلها. وبسبب الجفاف الذي أصابني، لا أذرف الدمع حين أبكي، ولا أتعرق من الحر الشديد خلال النهار. ولم تعد أوراقي داكنة الخضرة كما عهدتها من قبل. ويزورني من يطمعون بثماري مرة بالسنة، حيث يتوقعون أن أنتج بالرغم من التجويع والقسوة. وإن كانوا يأتون لقطف الثمار، إلا أنهم لا يقطفونها، بل يشبعونني ضرباً بعصيهم الطويلة القاسية، ويكسرون أغصاني الغضة، فتسقط وتلحق بها أوراقي، وتسقط أرضاً لتصبح الغذاء الوحيد لي لسنة قادمة. أترى لماذا لا أريد أن أنتج؟ حتى أتجنب الضرب! إذ تراهم كلما زاد عطائي، زادوني ضرباً. لم أعرف العبودية قط في هذه الأرض إلا في هذا الزمن. وها هم الآن يتوقعون منا أن نكون عبيداً.

بلغت عمراً لا يمكنني من تنظيف ما حولي، وكما تعلم، فأنا لست مثل باقي الأشجار، حيث لا أسقط أوراقي، وأتمسك بها نهاراً وليلاً، صيفاً وشتاءً. ولا رائحة لي ولا عبير، وثماري محمية للمتعة البشرية. كما أنه تم اختياري رمزاً للسلام، وأحبتني الآلهة في يوم ما، وكرمتني الكتب السماوية. أما اليوم، فأنا أعاني العبودية والضرب والمهانة، ويتوقعون مني العطاء دون أن أطلب شيئًا قط، أو أن أتوقع التقدير أو المكافأة أو حتى الشكر. أنا فقط "زيتونة" كبيرة السن لا تملك القدرة على الدفاع عن نفسها. وبالتأكيد، ليس هذا ما كنت أتمناه. لماذا يموت كبار السن؟ ويبدو الشباب أقل اهتماماً بما نحتاج له، ولا أدري إذا كان هذا نتيجة لتعليمهم، أم أنها حضارة من نوع جديد!".

تركت "زيتونة" وأنا حزين لواقعها وأسئلتها تدور في فكري، وتوجهت إلى جامعة بيرزيت لحضور احتفالات تخريج الفوج الثاني والأربعين التي تجري للمرة الأولى في ملعب مغلق جديد الإنشاء بدا لي رائعاً. رأيت الكثير من الناس، شباباً وشيوخاً، رأيت وجوهاً سعيدة وأخرى منشغلة، وعادت بي الصور إلى زمن سابق عندما التحقت بالصفوف في هذا المكان قبل نحو تسع وثلاثين سنة. كنت حينها في حرم الجامعة القديم، وانتقلت إلى هذا الحرم الذي كان عبارة عن بناء واحد. وها هي جامعة بيرزيت اليوم، سارت قدماً بسرعة وأصبحت جامعة مكتملة تضم أكثر من 13000 طالب وطالبة. ولقد تشرفت بالحصول على درجة علمية منها وبعض الكلمات الرقيقة، واستمتعت بالنقاشات مع عدد من الأساتذة وأعضاء مجلس أمناء الجامعة. كما تحدثت مع بعض الطلبة ووجدت أن الأمل ما زال يحيا على الأقل في جنبات جامعة بيرزيت، حيث سيترك هؤلاء الطلبة مقاعد الدراسة الآمنة وكتبهم الدراسية ويتوجهون إلى عالم غامض مليء بالمسؤوليات. وكان البعض منهم مرتبكاً وغير واثق من الآتي، وآخرون بدوا كأنهم يسيرون قدما وخططهم بأيديهم. وللمرة الأولى في حياتي، رأيت شيئاً جديداً في هذا الجزء من العالم: رأيت الناس يعيشون اللحظة ويستمتعون. رأيتهم يركزون فقط على أولادهم أو على أنفسهم أو أصدقائهم الذين يتخرجون من مهنة التلمذة. لم يكن هناك جدال أو صراعات مثل تلك التي نشهدها عندما يجد الفلسطينيون فرصة للتجمع. لم تكن هناك سياسة ولا انقسامات، ولم تكن هناك مخاوف أو أحزان، بل كان هناك الأمل فقط والفرح والاحتفالات بما تم تحقيقه. لم يكن هؤلاء الأولاد يفكرون بما يتوجب عليهم تقديمه أو إنتاجه بعد أشهر أو سنوات من الآن. ماذا ستقول "زيتونة" لو أتيح لها أن تشهد هذا؟ هل فعلاً يحق للناس أن ينسوا كل شيء هكذا ويحاولوا الاستمتاع باللحظة الراهنة؟ هل يمكن أن يكون الإنسان مجرد شخص أناني ليوم واحد؟ كان يبدو على الأولاد والبنات الخريجين وكأنهم يحتفلون بالحرية، والانعتاق من الصفوف والكتب الدراسية. كانوا يحتفون بالتحرر من المختبرات والامتحانات التي استعبدتهم في السنوات الأربع أو الخمس الماضية. وكان هؤلاء الأولاد والبنات يشعرون بالقوة التي اكتسبوها من التعليم. وهكذا رأيت في عيونهم التصميم على تحقيق الطموحات. وأنا آمل أن يواصل هؤلاء الشباب والشابات ملاحقة أحلامهم، وألا يصيبهم الكسل ويركنوا للحظة الفرح هذه. فهذا الوقت سوف يمضي، ويتوجب على كل منهم مواصلة العمل بجد، وصدقوني حين أقول إن النجاح والفرص موجودة لمن يجتهد في البحث عنها. لقد استشعرت طاقة في بحر الناس هذا، طاقة إن صبت في المجرى الصحيح، ستحيي وتنعش الكثير من "الزيتونات المعمرة"، فأنا كما "زيتونة" كبيرة السن، لم أكن أدري إن كنت سأعود ثانيةً إلى عطارة بعدما فقدت والدي، لكنني وجدت في بيرزيت عائلة جديدة، محترمة ومحبة وراعية. وجدت فيها عائلة تدعونا للمساهمة بعمل الخير، ووجدتها عائلة تسعى لإعادة تشكيل ورسم المستقبل. وهكذا وجدت المزيد من الأسباب التي تحثني على العودة. وتحولت رحلتي من "زيارة وداع" إلى زيارة لسان حالها يقول "إلى اللقاء".

لك الشكر جامعة بيرزيت، شكراً لهذا التقدير، وشكراً لتعليم الأجيال وخلق القادة وزراعة الأمل. في بيرزيت رأيت مهندسي ومحامي وقادة ورجال أعمال المستقبل في فلسطين، كلهم يرتدون لباس التخريج ويحملون الفخر ببيرزيت في قلوبهم.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018