بكالوريوس يمتد من 1988 حتى 2017 أسرار سمرين: شعرت بصِغَر العالم أمام مسرح تخريج جامعة بيرزيت

 

بعد 28 عاماً من البداية، استطاع أسرار سمرين أن يصل خط النهاية، وأن يقف على منصة تخريج جامعة بيرزيت ليتسلم شهادة البكالوريوس، محققاً حلم والدته وحلمه الذي جُمّد لأكثر من 22 عاما بقرار من الاحتلال.

أسرار، وهو ابن مدينة البيرة، والبالغ من العمر 48 سنة، بدأ رحلته الدراسية بتخصص علم الاجتماع في جامعة بيرزيت منذ العام 1988، وحينها كانت ظروف الانتفاضة الفلسطينية الأولى الصعبة تتحكم في سير الحياة الاجتماعية والتعليمية، ولأن الاحتلال يأبى إلا أن ينغّص أحلام الفلسطيني، فقد اعتقل أسرار في شهر آب من العام 1992 بعد أن أنهى متطلبات سنتين أكاديميتين، وبعد فترة وجيزة من إعادة افتتاح حرم جامعة بيرزيت المغلق من قوات الاحتلال الإسرائيلية.

 

دراسة التاريخ العبري

صدر الحكم على ابن الثلاثة والعشرين ربيعا بالسجن مدى الحياة، أتقن خلالها أسرار اللغة العبرية بمهارة، والتحق بجامعة القدس العبرية المفتوحة، بيد أن الفكر الوطني السليم الذي كان يحمله منعه من الاستمرار، يقول أسرار: "يسمح لنا داخل السجون بدراسة التخصصات المتعلقة بالعلوم السياسية والتاريخ فقط، ويشاء المحتل أن يتعلم الأسير التاريخ بالمفاهيم والحقائق المزورة التي يفرضها، وهو ما رفضته قطعيا كونه يتنافى مع مبادئي وأهدافي".

طوال فترة الاعتقال الطويلة، حلم أسرار كثيرا بلحظة التحرر، وحلم أيضا بالعودة إلى جامعة بيرزيت وحمل شهادتها وهو ما ارتقبته والدته بلهف، ولكن الأم الصبور انتظرت عودة الغائب طويلا، ثم غادرت الحياة في العام 2009 ولم تدرك فرحة تحرير أسرار ولا فرحة تخرجه.

بعد أربعة أعوام من وفاة الوالدة، أفرج عن أسرار ضمن الدفعة الثانية من صفقة تحرير الأسرى الفلسطينيين المعتقلين قبل اتفاقية أوسلو، حيث سارع إلى إعادة الالتحاق بجامعة بيرزيت وهذه المرة ضمن تخصص الصحافة والعلوم السياسية.

يقول أسرار إنه اختار الإعلام كونه "السلاح الأفضل في التعبير عن الفكرة وفي إيصال القضية الفلسطينية للعالم"، ويضيف معقباً: "في العام 1992، نظمنا إضرابا داخل المعتقلات للمطالبة بالسماح لنا بمشاهدة قناة الـMBC لأول مرة، واستطعنا حينها أن ندرك مدى التغير والتطور الحاصل في الإعلام العربي، وتمنيت كثيرا أن أخرج فأجد إعلاماً فلسطينياً وطنيا وموحدا، ولكن ذلك غير حاصل حاليا للأسف".

 

بيرزيت صرح علمي ووطني

ورغم حالة الاغتراب التي قد يعايشها الأسير في الفترة الأولى من تنفس نسائم الحرية، وما يجده من تغيرات في العلاقات الاجتماعية والمفاهيم الفكرية والثقافية في بيته وبيئته، إلا أن أسرار حاول إعادة دمج ذاته، لا سيما في إطار الجامعة، حيث حاول التقرّب إلى الطلبة الذي يصغرونه سنا بقرابة ربع قرن، ساعيا إلى فهم طريقة تفكيرهم وأسلوب حياتهم، ولا ينكر أنه وجد جيلا متنورا ومتفتحا فكريا وثقافيا ومواكبا للعلم إلى أبعد الحدود.

تبدّلت أجواء جامعة بيرزيت التي ألفها، وسرق منه الاحتلال ما كان يملكه من صور تذكارية قليلة للأيام الأولى فيها، إلا أن أسرار يرى أن بيرزيت كانت وستظل صرحا علميا ووطنيا عظيما، ويؤكد: "تلقينا في بيرزيت المبادئ الوطنية الأصيلة والبعد عن التعصب التنظيمي أو الحزبي، بل وصُقلت فيها إنسانيتنا، لقد أحدثت الجامعة في فترة الثمانينيات وبداية التسعينيات ثورة اجتماعية ووطنية، وجمعتنا على هدف واحد ومتفق عليه بغض النظر عن الوسيلة".

وبنبرة أمل مفعمة بالحياة يقول أسرار: "الآن حققت الهدف الثاني الذي كنت أصبو إليه، فبعد تحقيق استقراري الأسري وزواجي، ها أنا ذا أنال شهادة البكالوريوس محققا حلمي وحلم والدتي بعد 28 سنة، قلقتُ كثيرا ليلة التخريج من فكرة كوني "ختيارا" بين مجموعة من الشباب اليافعين، لكن، حين استلمت الشهادة على منصة التخرج بصحبة طفلتي نعيمة التي تحمل اسم والدتي، شعرت أن العالم كله أصبح صغيرا مقابل هذا المسرح المهيب".

 

طالب علم وحياة

تسلم أسرار شهادته ولسان حاله يخاطب الشباب بأن لا يأس في الحياة، ولا حد للعلم مهما بلغ العمر أو وجدت المعيقات، فأبوابه تبقى مفتوحة وبالانتظار، لنبني شعبا متعلما وواعيا ومثقفا.

ويتطلع أسرار اليوم إلى تحقيق ثالث أهدافه وهو الحصول على فرصة عمل تمكنه من أداء دور فعال في المجتمع، مؤكدا رسالته التي ردّ بها على الاحتلال: "أراد الاحتلال أن يدفننا ويلغينا ونحن أحياء، ولكن الشعب الفلسطيني قادر على النهوض من أية ضربة ليحيا ويتعلم، فنحن طلاب حياة وحرية وكرامة، ولا نسعى إلى القضاء على أي أحد".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018