زوجته: ليست لدينا صور تجمعنا كعائلة سعدات.. حياة في الوقت المستقطع بين المطاردة والاعتقال

 

يحظى عدد من القادة والمناضلين بأسر تساعدهم على إكمال مسيرتهم النضالية، فهي داعمة لهم، تدافع عنهم، تحمي ظهورهم، والأهم أنها هيأت نفسها لكل ما يعنيه النضال من احتمال الغياب أسراً أو استشهاداً.

زارت "الحال" منزل المناضل أحمد سعدات، الأمين العام للجبهة الشعبية، والتقت زوجته عبلة سعدات، التي تحدثت معنا عن سعدات الزوج والأب، الذي تصالحت أسرته مع طبيعة حياته الموزعة بين المطاردة والأسر، وقليل جدّاً من الاستقرار.

في عام 1981، قررت عبلة سعدات أن تشاطر الأسير المحرر أحمد سعدات ليس فقط حياته، وإنما نضاله، تقول: "تزوجنا عام 1981 وكان أحمد قد أفرج عنه من اعتقال دام 4 سنوات، كنت أعلم أنه مناضل، وهو قال لي ذلك وأخبرني بخياراته المستقبلية، الشهادة أو السجن، وأنا وافقت على الزواج منه وأنجبت غسان بعد سنة من زواجنا في العام 1982 وبعدها انجبت إباء، وبينما كنت حاملاً بـصمود، اعتقل مرة أخرى، حوكم لفترة عامين ونصف العام، وعندما أفرج عنه كانت صمود تردد دائما "ليش عمو عندنا بالبيت!"، عن والدها، كانت صمود المميزة لديه، وبقيت العلاقة بينهما مميزة منذ صغرها. كنت أعلم أنه سيغيب، لذلك أنجبت ثلاثة أبناء لأتحصن بهم من الوحدة والعتمة ويبقى جزء منه معي".  

مع بداية الانتفاضة الأولى من العام 1987، اعتقلت قوات الاحتلال القائد أحمد سعدات، ومكث في الاعتقال الإداري، ولم يكن الجميع يعتقلون بحكم إداري،  حتى العام 1992. وعن هذه الفترة، تقول أم غسان: "اعتقل أحمد في سجن النقب، وأضربت قيادات الجبهة الشعبية، فسجن 4 سنوات ونصف السنة بلا زيارات ولا اتصالات، وكان الوضع سيئاً جداً، كان السجن جديداً وعبارة عن خيم. كنا نتلقط أخباره من المفرج عنهم من سجون الاحتلال، ممن كانوا معه. كانت فترة صعبة جدا.. وبعد أيام من الإفراج عنه بدأت مرحلة مطاردة له استمرت سبعة أشهر. كنت أتنقل في أكثر من مكان وأضع سيارتي في مدينة رام الله وأطلب من سيارة الأجرة إيصالي لأراه وليرى أطفاله سرّاً كي لا يعرف أحد مكانه".

في الانتفاضة الثانية، تبوأ أحمد سعدات منصب الأمين العام للجبهة الشعبية بعد اغتيال أمينها العام أبو علي مصطفى، وكان سعدات قد بدأ رحلة مطاردة أخرى، وأودع السجن الفلسطيني في أريحا عام 2003. وعن هذه الفترة تروي أم غسان: "كانت من أصعب الفترات لأن السجان كان فلسطينيا، وكان هناك شح كبير في التواصل، لكن أبو غسان كان في كل مرة نستطيع التواصل معه فيها يعيد لنا الأمل والمعنويات".

في عام 2006، اقتحمت قوات الاحتلال مدينة أريحا بعد انسحاب المراقبين البريطانيين والأميركيين من السجن، وحاصرت السجن وهدمت أجزاء منه حتى وصلت لغرفة أحمد ورفاقه. تقول زوجته: "كنا على أعصابنا. كانت لحظات عصبية وكانت الخيارات مفتوحة، سمعنا أبو غسان يقول عبر الجزيرة إنه سيواجه الموت بشجاعة، نفس الكلمات قالها لنا خلال هذا الحصار".

في عام 2008، حكمت المحكمة الإسرائيلية على سعدات بالسجن لمدة 30 عاماً، حيث اعتبر أعلى حكم إسرائيلي في تاريخ اسرائيل لأسير فلسطيني على قضايا سياسية غير مرتبطة بجانب عسكري. تزوجت إباء وتزوج غسان، وما زال القيد يلون حياة والدهما والغياب سيد الموقف.

 

سعدات الإنسان 

أحمد سعدات صاحب الشخصية العنيدة، كان إشعاعاً إنسانياً في حياة عائلته والمحيطين به، " أحمد ليس فقط مناضلا ضد الاحتلال، أحمد كان يحترم المرأة ويناضل من أجل حقوقها. كان حنونا على أطفاله وعلى الأطفال بشكل عام، وكان يثق فيّ ثقة مطلقة، لا أذكر أنه سألني يوما أين كنت أو إلى أين ذاهبة. كان مرحاً ومبادرا، يساعدني في أعمال المنزل المختلفة، وفي رعاية أبنائنا. ورغم أنه وحيد أمه، إلا أنه اختار أن يغيب عنا وعنها لأجل أهدافه الوطنية. أمه كانت سندي في غيابه، توفيت في العام 2007 وتركت جرحا كبيرا في قلبي وقلبه، أتذكر أنه رغم شح موارده المالية، كان يذهب لأهالي الشهداء والأسرى ليساعدهم، كان يردد دائما: مش منطق يكون معي وأم الشهيد ما معها، من وينتا ثورتنا برجوازية؟!". 

إن سلوك أحمد الإنسان يؤكد أن المناضل بصموده وألمه وغيابه ينثر صموده ووجعه في الحيز والمحيط لينشأ جيل يشعر بحقيقة الاحتلال وبقيمة المناضل، فالثورة تبدأ بالنظرة للإنسان وللفقراء وللأطفال والنساء ولا تنتهي بالنظرة للصراع مع اسرائيل.

"الغياب، كل الغياب، ألم ولوعة، الشوق لا يكمم، ولا يحصى، ولا يتراكم، ككتلة واحدة من القهر يلقي بنفسه على لحظاتنا، لكن بعض المواقف فارقة، بعض المواقف تتضاعف فيها الحاجة للوجود، لوجود أبو غسان بيننا، في عرس غسان، كنت أبحث عن أبو غسان في كل الوجوه، ورغم أنه بعث برسالة مباركاً بالعرس، ولكن كيف للكلمات أن تختزل الحضور وتعوضه! كلماته ضاعفت حاجتنا إليه، وسكن الفرح في العرس بين الكلمات وبين وجود أبو غسان، كان الموقف ثقيلا كأصعب اعتقال له، ثقيلا بحجم غيابه المستمر"، تقول سعدات.

وتتابع: "قليلة المواقف السعيدة في حياتنا، كنا نعيش حياةً متقطعة، لم يكن لدينا صور جماعية تجمعنا كعائلة بسبب الوضع الأمني، إسرائيل حين كانت تريد اعتقاله، لم تكن تعرف تفاصيل وجهه، وكانت تميزه من شعره الأبيض الشائب".

أبو غسان كان منغرساً بين الناس، مزروعاً في ألمهم وصرختهم، لم يكن له مكتب، كان منحازاً لطبقته وممثلاً لها، تشهد له أمهات الأسرى، وأمهات الشهداء، مكتبه هو كل بيت ثكله الاحتلال، لم يمارس طقوس القيادة يوما حتى وهو في السجن. كان يساعد الأسرى في التنظيف ويصر على مساعدتهم ويقول لهم أنا شخص من الشعب، أنا قائد لكن فلسطيني، كان يتعامل مع ذاته على أنه خادم للإنسان الفلسطيني وقضيته، ومع وضوح خطه السياسي وانتمائه الأيديولوجي، كان دائما يسعى لتوحيد الصفوف، فقد كان فلسطينيا قبل كل شيء".

 

  • طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018